محمد عبد العال يكتب : المَصْطَبَة الاقْتِصَاديَّة “21”

"السياسة النقدية.. في حتة تانية خالص!"

المشهد الأول: صدمة الخبراء

شاشة إحدى القنوات الفضائية الشهيرة والمتخصصة في الإعلام الاقتصادي تبث ندوة عاجلة للتعليق على الخبر العاجل لقرار البنك المركزي المصري برفع أسعار الفائدة.

نفتح الكاميرا على استوديو توك شو اقتصادي فخم، الأضواء مبهرة، والمذيع الشهير يمسك جهازه اللوحي بملامح يملؤها الذهول والهلع، وأمامه ثلاثة من كبار الخبراء الاستراتيجيين يرتدون بدلات رسمية، يمسكون برؤوسهم غير مصدقين ما يقرؤونه.

المذيع بصوت يغلب عليه التوتر : “أهلاً بحضراتكم مشاهدينا.. ونواصل نقاشنا الهام حول قرار لجنة السياسة النقدية. معنا أستاذ الاستثمار الدولي الدكتور رشاد، والدكتور مهند عبد الشكور، الخبير العالمي في السياسات النقدية، ومعنا أيضاً مستشارة الصناديق السيادية الدكتورة نهلة ، باختصار، كل التوقعات كانت في وادي.. والبنك المركزي راح في حتة تانية خالص… ما السبب يا دكتور رشاد؟!”.

د. رشاد يخلع نظارته بعصبية ويضعها على الطاولة : “يا فندم غير معقول.. مش ممكن.. اللي حصل ده! إحنا بقالنا أسبوعين قاعدين في استوديوهات التحليل نثبت رياضياً واقتصادياً إن أسعار الفائدة مش لازم تتحرك في اتجاه معين وخلينا محلك سر، بناءً على مؤشرات التضخم، وإن حركة السيولة في السوق محكومة بنظرية ‘العرض والطلب الكلاسيكية’! وفجأة.. البنك المركزي ينزل بقرار… قرار جريء، غير تقليدي، ومحطم لكل نظريات الكتب اللي درسناها في هارفارد ولندن!”.

د. نهلة تزفر بحرقة: “إحنا كنا عاملين موديلات تنبؤية Mathematical Models استغرقت مننا 3 أشهر شغل، عشان نيجي النهارده نلاقي المركزي ضرب بكل المعادلات عرض الحائط، وقالنا: ‘المعادلات دي حلوة تحطوها في البراجراف الأول من التقرير، بس السوق الحقيقي بينبض بروح تانية خالص!’ كأنهم قاعدين في غرفة تحكم سرية في المستقبل وإحنا لسه بنفك طلاسم الاقتصاد التقليدي!”.

المذيع: “طيب، والأسواق استجابت إزاي؟ هل حصل انهيار، هبوط، أزمة سيولة؟”.

د. رشاد يضحك بمرارة : “انهيار إيه يا راجل؟! الأسواق قامت من النوم الصبح، شربت الشاي بلبن، وقالت: ‘أه والله، ده كلام مظبوط وفيه وجهة نظر!’ البنك المركزي فاجأنا كلنا، وكسب الرهان.. واحنا الخبراء طلعنا فشنك!”.

المذيع: خلينا نروح ونشوف مراسلنا في المصطبة الاقتصادية.

المشهد الثاني: قفشات “المصطبة”

ننتقل سريعاً إلى “المَصْطَبَة الاقْتِصَاديَّة”، الشاي الساخن يعلو بخاره، والفوانيس أو أضواء الحارة تزين المكان، والجميع ملتفون حول راديو قديم وشاشة هاتف محمول.

خضرة زعزوعي وهي تربط طرحتها بعزم “يا نهار أبيض على أساتذة الشاشات والبدلات اللي بيناموا ويصحوا على نظريات إنجليزي! قالك خبراء قال.. أمال لو شافوا الحاجة لولو بتاعة الطرشي وهي بتدير أزمتها المالية بالجمعية والكرتة، كانوا عملوا إيه؟ الخبراء دول قاعدين بيلعبوا شطرنج مع الذكاء الاصطناعي لغاية ما يعدمهم العافية!”.

الحاج رمضان ينفث دخان الشيشة بهدوء حكيم : “سيبك يا خضرة من الخبراء.. الخبير اللي لا يعلم نبض السوق الشعبي وحقيقة تآكل الدخول الحقيقية للناس بفعل التضخم يبقاش خبير ، البنك المركزي لما بياخد قرار جريء كده، بيبقى عامل زي الكبير اللي قاعد على راس المندرة، عارف إن الكلام الكتير مبيجبش هم، والقرارات الصعبة هي اللي بتعدي السفينة.”

الحاج رضوان يهز رأسه موافقاً وهو يعدل جلبابه :”صدقت يا أبو أحمد.. اسمع مني، اللي بيحصل ده اسمه ذكاء إداري مستتر ، البنك المركزي ده عامل زي المعلم القديم اللي بيدير السوق من غير ما يعلي صوته، تلاقيهم قاعدين هناك في الدور العالي بيشربوا قهوة مظبوطة، ويقولوا: سيبوا الخبراء يصيحوا في التلفزيونات، وإحنا هنحرك الفايدة في الناحية اللي تخدم الغلابة وصانع القرار الحقيقي وترفع من قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات”.

أم ذكي تتدخل باعتزاز واهتمام شديد: “يا جماعة اسمعوا الكلام الصح.. ابني دكتور ذكي، ربنا يحفظه ويحميه، قال لي بعظمة لسانه وهو بيشرب الينسون: يا ماما، السياسة النقدية الحديثة تعتمد على امتصاص الصدمات النفسية للمستهلك قبل المالية ، طبعاً أنا مفهمتش ولا كلمة من اللي قاله، بس حسيت إن ابني فلتة من فلتات العصر.”

المشهد الثالث: فوزى تيكتوك وعبقرىينو.. وتريند السياسة النقدية!

يدخل فوزي تيكتوك ساحباً هاتفه المحمول بسرعة البرق، وإضاءة Ring Light تنعكس على وجهه، وخلفه عبقريينو يحمل لابتوب عتيقاً مليئاً بالملصقات.

فوزي تيكتوك بصوت حماسي وهو يصور فيديو فوري :”يا جماعة الخير.. يا أمة المتابعين! قفلوا التلفزيونات، وافتحوا التيكتوك! تريند النهارده مش مهرجان ولا خناقة، تريند النهارده: الكل في وادي.. والبنك المركزي يعكس الاتجاه.. بصوا يا جماعة، الخبراء الأجانب والمحليين اتقفل عليهم الباب واتصدموا، بينما البنك المركزي نزل تريند نمبر وان بقرارات من كوكب مارس 24 ، يلا حالاً، كل واحد يكتب في التعليقات: أنت مع الخبراء، ولا مع المركزي؟”.

عبقريينو مصطبجي أول AI، تضيء عيناه بوهج رقمي ذكي وهو ينظر لشاشة اللابتوب :”بناءً على تحليل بيانات الشبكة العصبية الكبرى Neural Network لعدد 50 مليون تغريدة ومنشور اقتصادي خلال الـ 24 ساعة الماضية، يمكنني استنتاج الآتي بصفتي AI المصطبة الأول:

– نسبة دقة توقعات الخبراء الكلاسيكيين بلغت 0.12%، وهي نسبة تقترب من الصفر المطلق.

– نسبة ذكاء قرارات البنك المركزي بلغت 99.8%، والباقي خطأ معياري ناتج عن دهشة الأسواق.

– الخوارزميات تؤكد أن أي محاولة لتحليل السوق بمعزل عن نبض الشارع والمصطبة ستؤدي حتماً إلى الانضمام لـ نادي المذهولين عند دوار مضيق هرمز.

فوزي تيكتوك يضحك بصوت عالٍ ويربت على كتف عبقريينو :”الله ينور عليك يا عبقريينو يا ولدي.. يعني لا هارفارد تنفع، ولا موديلات الخبراء تنفع، قصاد ‘شطارة’ البنك المركزي المصري وذكاء العقل الجمعي المصري!”.

خضرة زعزوعي تضحك وتلوح بملعقتها في الهواء: “يبدو إن الحلقة الجاية يا أبو أحمد، الخبراء بتوع التلفزيون دول هييجوا يشربوا عندنا شاي بالنعناع على المصطبة عشان نفهمهم السياسة النقدية ماشية إزاي!”.

تتحول الكاميرا إلى ابتسامات جماعية ساخرة ومرحة من أبطال المصطبة، بينما يختتم عبقريينو المشهد بصوت روبوتي مرح: “إلى اللقاء في الحلقة القادمة.. حيث الاقتصاد ليس أرقاماً صماء، بل روح ونبض ومصطبة!”.

محمد عبد العال

خبير مصرفي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى