محمد عبد العال يكتب عن : هندسة السيولة النقدية في مصر
بين تحصين الأصول الأجنبية ولغز التضخم العرضي

تُعد السيولة المحلية في أي اقتصاد بمثابة الشريان الحيوي الذي يغذي الأنشطة الإنتاجية والتجارية ، فهي ليست مجرد أرقام إحصائية تعكس حجم النقود المتداولة في شرايين القطاع المصرفي، بل هي الترمومتر الدقيق الذي يحدد القوة الشرائية، والدافع الرئيسي لمستويات الطلب الكلي، والمُحرّك المباشر لتوجهات الأسعار وسعر الصرف.
وفي محطة مفصلية، جاء البيان الأخير الصادر عن البنك المركزي المصري ليكشف عن قفزة استثنائية في حجم السيولة المحلية M2 ، حيث ارتفعت بمقدار 2.257 تريليون جنيه خلال الفترة من يوليو 2025 إلى مايو 2026، لتصل إلى مستوى تاريخي عند 15.330 تريليون جنيه، وبمعدل نمو بلغت نسبته 17.3%.
أولاً: من أين جاءت السيولة وإلى أين اتجهت؟
عند قراءة مكونات هذه الزيادة بعين نقدية تحليلية، نجد أن النمو جاء نتيجة لتفاعل محورين أساسيين في الميزانية العمومية للقطاع المصرفي وهما :
– طفرة صافي الأصول الأجنبية (نمو بـ 61.6%) بناء “حائط صد” هيكلي :
سجل صافي الأصول الأجنبية زيادة ملحوظة تُعادل 457 مليار جنيه، توزعت بين البنك المركزي (296.7 مليار جنيه) والبنوك التجارية (160.3 مليار جنيه) ، هذا الارتفاع ليس مجرد انعكاس لدخول “أموال ساخنة” عابرة في أدوات الدين، بل يرتبط بتدفقات ذاتية وهيكلية واستثمارات أجنبية مباشرة ، والأهم أن احتفاظ البنك المركزي بالجانب الأكبر من هذه الأصول يعكس استراتيجية واعية لامتصاص هذه التدفقات وبناء “غلاف واقٍ” وحائط صد ضد أي تقلبات خارجية أو خروج مفاجئ لرؤوس الأموال، مما يحمي السوق النقدية من الهزات المفاجئة.
– تسارع الائتمان والمطالبات المحلية (نمو بـ 14.6%):
ارتفع صافي الأصول المحلية بنحو 1.8 تريليون جنيه، مدفوعاً بزيادة الائتمان المحلي بقيمة 3.152 تريليون جنيه ، واستحوذت المطلوبات من الحكومة على النصيب الأكبر لتمويل عجز الموازنة والمشاريع التنموية (2.150 تريليون جنيه)، بالتوازي مع تعافي نمو ائتمان القطاع الخاص بـ 645.5 مليار جنيه، مما يؤكد بداية استعادة النشاط التشغيلي لمؤسسات الأعمال.
أما من حيث طبيعة السيولة المتكونة، فقد تركزت القوة الدافعة في المعروض النقدي السائل (M1) الذي قفز بنسبة 32.9%، مدفوعاً بنمو النقد المتداول خارج البنوك بنسبة 25.8%، والودائع الجارية بالعملة المحلية بنسبة 37.8%. في المقابل، نمت “أشباه النقود” (الودائع غير الجارية) بنسبة أبطأ بلغت 11.8%، وهو ما يكشف عن ميل أصحاب الحيازات المالية للسيولة السريعة والاحتفاظ بالكاش.
ثانياً: لغز التضخم.. التفسير النقدي لـ “السلوك العرضي والمقاوم”:
يوفر بيان السيولة الإجابة لطبيعة حركة التضخم في المرحلة الحالية؛ فبالرغم من أن التوجه العام للتضخم هو الهبوط التدريجي مقارنة بالذروة السابقة، إلا أنه يمارس “سلوكاً عرضياً ومقاوماً”، بمعنى أنه يرفض الهبوط السريع والعمودي نحو مستهدفات المركزي، ويتذبذب أفقياً في نطاقات محددة. التضخم السنوي للمدن: تراجع إلى 13.9% في سبتمبر 2026، مقابل 14.5% في أغسطس 2026.
تفسير هذه “صلابة التضخم” يعود مباشرة إلى قفزة المعروض النقدي السائل (M1) بنسبة 32.9% وتداول الكاش خارج البنوك بـ 25.8%. هذه الأرقام تعني وجود طاقة شرائية فورية وسريعة الدوران في الشارع تجاوزت معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الاسمي. وتوفر هذه السيولة القوة الشرائية المباشرة لدى المستهلكين، مما يجعل التضخم يمارس “مقاومة” أمام ضغوط التيسير؛ حيث يجد التجار مساحة لرفع أو تثبيت الأسعار عند مستويات مرتفعة دون الخوف من ركود كامل.
أما فيما يتعلق بسعر الصرف، فرغم أن نمو السيولة المحلية يُشكل عادة ضغطاً طلبياً على الواردات والعملة الأجنبية، إلا أن اقتران هذا النمو بغطاء قياسي من الأصول الأجنبية لدى الجهاز المصرفي يمنح الجنيه حماية متينة ويحيد أثر السيولة الفائضة على سوق الصرف.
ثالثاً: أدوات السياسة النقدية.. إدارة السيولة بدون تحريك الفائدة
في تصوري أن أحد أسباب حذر لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي وتعليقها لدورة التيسير النقدي (عبر تثبيت أسعار الفائدة الرسمية) توضحه بيانات السيولة المحلية، إذ يدرك المركزي أن خفض أسعار الفائدة في ظل هذا الزخم في المعروض النقدي السائل ربما يفاقم من مخاطر ارتقاء التضخم مجدداً.
وفي هذا السياق، تبرز الهندسة النقدية المبتكرة للبنك المركزي لإدارة هذه السيولة عبر مسارين وهما :
– تجميد فكرة خفض الاحتياطي الإلزامي : بالنظر إلى ثبات نسبة الاحتياطي النقدي الإلزامي عند 16%، فإن استمرار نمو السيولة بمعدل 17.3% يُبعد احتمال خفض هذه النسبة مجدداً في المدى القريب، تجنباً لضخ سيولة دائمة وبدون عائد في السوق تعقد من مهمة السيطرة على الأسعار.
– الامتصاص عبر عمليات السوق المفتوحة (OMOs) والأوعية الادخارية : يُفضل البنك المركزي سحب فائض السيولة أسبوعياً من خزائن البنوك عبر عطاءات السوق المفتوحة المفتوحة القيمة، مع إتاحة المرونة للبنوك لتطوير منتجات وشهادات ادخارية مرتفعة العائد ، وهذه الآلية تهدف لتحويل “السيولة السائلة والنشطة” إلى “أشباه نقود ودائع طويلة الأجل”، مما يقلل من سرعة تداول النقود ويمتص الضغط التضخمي دون الحاجة لرفع أسعار الفائدة الرسمية التي تُثقل كاهل خدمة الدين الحكومي.
التوقعات المستقبلية: الرؤية ومسارات المرحلة القادمة
بناءً على المعطيات الرقمية والهيكلية الأخيرة، قد تتجه التوقعات في المدى القصير والمتوسط نحو الآتي:
– استمرار الحذر النقدي وتثبيت الفائدة: ربما ترى لجنة السياسة النقدية مواصلة نهج التريث والتمسك بأسعار الفائدة الحالية، لحين التأكد من انكسار سرعة نمو المعروض النقدي السائل (M1)، وتحول النقد المتداول من الشارع إلى الأوعية الادخارية في البنوك.
– استقرار متوازن لسعر الصرف: بفضل غطاء الأصول الأجنبية المتنامي كحائط صد، سيظل سعر الصرف يتحرك في نطاقات مرنة ومتوازنة تعكس العرض والطلب الحقيقي دون التعرض لضغوط هجومية مفاجئة.
– تكثيف عمليات امتصاص السيولة: سيواصل البنك المركزي الاعتماد المكثف على عمليات السوق المفتوحة وسحب فائض السيولة المصرفية، مع اتجاه البنوك الوطنية لطرح خيارات استثمارية جذابة لامتصاص الكاش المتداول، كركيزة أساسية لكبح السلوك العرضي للتضخم والوصول به إلى مستهدفاته الأحادية.
محمد عبد العال
خبير مصرفي






