البنك المركزي المصري يبحث غدا مصير فائدة الجنيه للمرة السادسة هذا العام
وسط توقعات قوية بتثبيتها للمرة الخامسة على التوالي

تعقد لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري غدا ، الخميس ، اجتماعها الدوري السادس في العام الجاري ، لبحث مصير أسعار العائد الأساسية لدى المركزي ، والتي تعد مؤشرا قويا على اتجاه فائدة الجنيه في الأجل القصير ، وسط توقعات قوية بتثبيتها للمرة الخامسة على التوالي.
وكانت اللجنة قد قررت في اجتماعها الذي عقدته في 20 أغسطس الماضي تثبيت تلك الأسعار عند 19% للإيداع و 20% للإقراض و 19.5% لسعر الائتمان والخصم وسعر العملية الرئيسية للمرة الرابعة ، بعد قرارات مماثلة في 2 أبريل و 21 مايو و 9 يوليو ، مؤكدة أن هذا القرار يأتي متسقا مع رؤيتها لآخر تطورات التضخم وتوقعاته.
وقالت اللجنة إن هذه الخطوة تستهدف الحفاظ على هامش موجب مناسب في سعر العائد الحقيقي ، بما يضمن استمرار ترسيخ التوقعات التضخمية ودعم المسار النزولي للتضخم.
أكدت أنها سوف تواصل تقييم الأوضاع النقدية استنادا إلى المستجدات الاقتصادية ومسار التضخم المتوقع في ظل المخاطر المحيطة ، وأنها لن تتوانى عن اتخاذ ما يلزم من إجراءات حفاظا على استقرار الأسعار وضمانا لعودة التضخم إلى مستواه المستهدف في المدى القريب.
وتوقعت اللجنة أن يبدأ التضخم في التراجع تدريجيا اعتبارا من الربع الأول من 2027 ، ليقترب مع مستواه المستهدف البالغ 7% ± 2 % خلال النصف الثاني من العام نفسه.
وأوضحت أن هذا المسار النزولي المتوقع للتضخم يأتي مدعوما بالحفاظ على أوضاع نقدية تتسم بدرجة مناسبة من التقييد على مدى أفق التوقعات، إلى جانب استمرار وتيرة تراجع المعدلات الشهرية للتضخم الضمني، والتباطؤ واسع النطاق في الضغوط التضخمية عبر مختلف بنود الرقم القياسي لأسعار المستهلكين ، لافتة إلى أن مسار التضخم المتوقع لا يزال عُرضة لمخاطر صعودية، في مقدمتها تصاعد التوترات الإقليمية وتجاوز أثر إجراءات ضبط أوضاع المالية العامة للتوقعات.
وكشف البنك المركزي ، في وقت سابق من الشهر الجاري ، عن ارتفاع المعدل السنوي للتضخم الأساسي إلى 14.9% في أغسطس الماضي ، مقابل 14.7% خلال يوليو السابق عليه ، لافتا إلى أن الرقم القياسي الأساسي لأسعار المستهلكين سجل معدل تغير شهري قدره 0.3% في أغسطس ، مقابل 0% في يوليو.
كما كشف الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن تسجيل الرقم القياسي العام لأسعار المستهلكين للحضر معدل تغير شهري قدره 0.1% في أغسطس مقابل 0% في يوليو ، فيما سجل معدل التضخم العام للحضر على أساس سنوي 14.5% في أغسطس ، مقابل 14.9% في يوليو.
وأظهر استطلاع أجرته وكالة رويترز أن البنك المركزي المصري سيبقي بصورة شبه مؤكدة على أسعار الفائدة دون تغيير غدا ، الخميس ، حيث يتراجع التضخم بوتيرة تدريجية ، كما تدفع المخاطر الإقليمية صانعي السياسة النقدية إلى توخي الحذر قبل تحريك معدلات الفائدة.
وقال 11 من بين 12 خبيرا اقتصاديا استطلعت الوكالة آراءهم إنه من المتوقع أن يبقي البنك المركزي سعر الفائدة على الودائع لليلة واحدة عند 19% وسعر الفائدة على القروض عند 20% ، فيما شكلت شركة إتش سي للأوراق المالية الاستثناء الوحيد بتوقعها رفعا بمقدار 1%.
وقال محمد أبو باشا من شركة إي اف چي القابضة إن التضخم يتباطأ، لكن ارتفاع أسعار النفط يزيد من احتمالات ارتفاع الأسعار.
وقالت هبة منير من شركة إتش سي للأوراق المالية ، وهي المحللة الوحيدة التي توقعت رفع سعر الفائدة، إن الوضع الخارجي المستقر نسبيا لمصر ربما لا يحميها بشكل كاف من تداعيات الأزمة الإقليمية على أسعار الطاقة.
وتتوقع الشركة أن يستمر التضخم في التسارع خلال الربع الأخير، مدفوعا جزئيا بالزيادة السنوية في الإيجارات القديمة والارتفاع المتوقع في أسعار الوقود محليا.
وقال جميل نعيم من ستاندرد اند بورز جلوبال ماركت إنتلجنس إن لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري ستبقي على الأرجح أسعار الفائدة دون تغيير، مشيرا إلى أن التضخم الأساسي استمر في الارتفاع في أغسطس حتى مع تباطؤ نمو التضخم في المدن.
كما رجحت 10 مؤسسات مالية وبنوك استثمار مصرية ، استطلعت بلومبرج آراءهم ، إبقاء البنك المركزي أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماعه غدا ، في ظل مخاطر تضخمية مرتبطة بارتفاع أسعار النفط عالمياً وتصاعد حدة التوترات الجيوسياسية، إلى جانب تقلب تدفقات المستثمرين الأجانب وقوة الدولار.
وشملت المؤسسات المشاركة في الاستطلاع إي إف جي هيرميس، وثاندر لتداول الأوراق المالية، والأهلي فاروس، وسي آي كابيتال، وزيلا كابيتال، ونعيم للوساطة في الأوراق المالية، وأسطول القابضة، ومباشر لتداول الأوراق المالية، وبرايم لتداول الأوراق المالية، وكايرو كابيتال سيكيوريتيز.
ومن جانبها ترى الدكتورة شيماء وجيه الخبيرة المصرفية إن لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري تدخل اجتماعها غدا ، الخميس ، في مرحلة أكثر تعقيدا من مجرد المفاضلة بين خفض أسعار الفائدة أو الإبقاء عليها ، موضحة أن المشهد الاقتصادي أصبح يتطلب موازنة دقيقة بين استكمال مسار خفض التضخم، والحفاظ على جاذبية الجنيه والأصول المحلية، ودعم النشاط الاقتصادي والاستثمار، دون السماح بعودة الضغوط السعرية.
أشارت “وجيه” إلى أن أهمية المرحلة الحالية تكمن في أن الاقتصاد المصري قطع شوطا مهما في دورة التشديد النقدي، بينما لا تزال معدلات التضخم أعلى من المستوى المستهدف، كما أن البيئة الخارجية أصبحت أكثر تقلبا بفعل التطورات الجيوسياسية وأسعار الطاقة وسلوك البنوك المركزية الكبرى ، ولذلك فإن تثبيت أسعار الفائدة في المرحلة الحالية يمثل أداة لإدارة التوازنات النقدية والحفاظ على مكتسبات الاستقرار، وليس توقفا عن مسار التيسير النقدي.
أوضحت أنه رغم التراجع التدريجي في التضخم فإن الصورة تحتاج إلى قراءة أكثر عمقا من مجرد انخفاض الرقم السنوي ، فقد سجل التضخم العام 14.5% في أغسطس 2026، بينما بلغ التضخم الأساسي 14.9% ، وهنا تظهر نقطة مهمة في تقييم السياسة النقدية ، و هي أن الانخفاض في التضخم العام الحالي يمثل تطورا إيجابيا، لكنه لا يعني بالضرورة أن الضغوط التضخمية أصبحت منتهية.
تابعت : فارتفاع التضخم الأساسي يشير إلى أن جزءًا من الضغوط لا يزال موجودًا داخل مكونات الأسعار الأكثر استدامة، وهو ما يجعل البنك المركزي أكثر حرصًا في إدارة توقيت دورة التيسير النقدي ، وبالتالي، فإن معيار النجاح في المرحلة المقبلة لن يكون فقط انخفاض التضخم، وإنما استمرار انخفاضه بصورة متماسكة ومستدامة، مع تحسن توقعات التضخم واستقرار الأسواق المالية وسوق الصرف.
لفتت “وجيه” إلى أن الفائدة الحقيقية تظل عنصرًا حاسمًا في المعادلة النقدية ، مؤكدة أن مستويات أسعار الفائدة الحالية تظهر أن السياسة النقدية لا تزال ذات طابع تقييدي ، حيث تبلغ فائدة الإيداع لليلة واحدة 19% والإقراض 20% وسعر العملية الرئيسية 19.50%، وهي المستويات التي أبقت عليها لجنة السياسة النقدية في اجتماعها الأخير في أغسطس الماضي.
تابعت : ومع تضخم عام يدور حول 14.5%، تظل هناك مساحة موجبة بين سعر الفائدة الإسمي ومعدل التضخم، وهي مساحة لها أهمية كبيرة في تثبيت توقعات التضخم والحفاظ على جاذبية الأدوات المقومة بالجنيه ، مؤكدة في الوقت نفسه أن الحفاظ على فائدة حقيقية موجبة لا يعني بالضرورة أن ارتفاع أسعار الفائدة هو الحل الدائم ، فكلما طال أمد السياسة النقدية التقييدية ارتفعت تكلفة التمويل على الشركات والأفراد، وهو ما يمكن أن يضغط على الاستثمار والائتمان والاستهلاك.
أضافت : من هنا تصبح إدارة الفائدة الحقيقية أكثر أهمية من التركيز على سعر الفائدة الإسمي وحده، لأن الهدف هو الوصول إلى نقطة توازن ، تسمح باستمرار انخفاض التضخم دون تحميل النشاط الاقتصادي تكلفة نقدية أكبر من اللازم.
كما أشارت “وجيه” إلى أنه في الاقتصاد المصري لا يمكن فصل السياسة النقدية عن سوق الصرف ، لأن أي تغيرات كبيرة في سعر العملة يمكن أن تنتقل إلى أسعار السلع والخدمات من خلال تكلفة الواردات ومدخلات الإنتاج ، ولهذا فإن البنك المركزي ينظر إلى استقرار سوق الصرف باعتباره أحد المكونات الأساسية لمسار خفض التضخم ، وكلما زادت الثقة في تدفقات النقد الأجنبي وتحسن وضع الاحتياطيات والسيولة الدولارية اتسعت مساحة المناورة أمام السياسة النقدية.
تابعت : وفي المقابل، فإن أي صدمة خارجية تؤدي إلى ارتفاع تكلفة الطاقة أو الواردات أو زيادة الطلب على العملة الأجنبية يمكن أن تعيد بعض الضغوط التضخمية، حتى في حالة تحسن المؤشرات المحلية ، ومن ثم، فإن استقرار سوق الصرف أصبح أحد شروط نجاح دورة التيسير النقدي وليس مجرد نتيجة لها.
في الوقت نفسه أكدت “وجيه” أن السياسة النقدية المصرية لا تتحرك بمعزل عن الاقتصاد العالمي ، والذي يشهد ارتفاعا في مستويات عدم اليقين المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد ، وهذا يعني أن قرار الفائدة المقبل يجب أن يأخذ في الاعتبار المخاطر المستقبلية وليس فقط البيانات الحالية.
تابعت : في الجانب الآخر من المعادلة، يحتاج الاقتصاد المصري إلى استمرار تحسن النشاط والاستثمار والائتمان ، وهنا تظهر أهمية عدم النظر إلى سعر الفائدة باعتباره أداة لمواجهة التضخم فقط، بل باعتباره جزءًا من منظومة أوسع تؤثر في تكلفة رأس المال والائتمان المصرفي والاستثمار الخاص والطلب المحلي.
أكدت أن الاستمرار في سياسة نقدية شديدة التقييد لفترة أطول من اللازم يمكن أن يحد من سرعة تعافي الاستثمار، بينما التيسير المبكر قبل ترسخ الاتجاه النزولي للتضخم قد يؤدي إلى ضغوط عكسية على الأسعار وسوق الصرف ، وبالتالي، فإن التوقيت أصبح أكثر أهمية من مجرد اتجاه القرار.
“في تقديري، فإن جوهر المرحلة المقبلة يكمن في إدارة المخاطر بصورة متوازنة فهناك جانب يدعم استمرار التيسير النقدي، وهناك عوامل تدعو إلى قدر أكبر من الحذر، ومن ثم فإن تثبيت أسعار الفائدة في هذه المرحلة يمكن أن يمثل قرارًا لإعادة ضبط الإيقاع النقدي، ومنح الاتجاه النزولي للتضخم مزيدًا من الوقت كي يترسخ، مع الحفاظ على الفائدة الحقيقية الموجبة وجاذبية الأصول المحلية” ، بحسب “وجيه”.






