محمد عبد العال يكتب : “المَصْطَبَة الاقْتِصَاديَّة 15”
"من مسيّرة دمياط إلى كافيار الساحل .. ليه الدولار بيطير وجشع التجار بيزيد؟!"

المكان: مزرعة الحاج رمضان ، تحت أشجار المانجو الإسماعيلاوي العويس، مع قصعة ذرة مشوي على المنقد، وأطباق التين الشوكي المثلج.
الزمان: ساعة العصاري.. الجو مشحون بالتساؤلات، وأم فوزي تقلب الذرة على الفحم، بينما خضرة زعزوعي تمسك بمروحة قش وتلوّح بها بغضب، وفوزي تيك توك يجهز الكاميرا، وعبقرينو يجلس بوقاره المعتاد وبيده كشكول الأرقام.
خضرة زعزوعي “تضرب كفاً بكف وهي “بتقشر حبة مانجو عويس” : “جرى إيه يا عبقرينو قعدتنا مستنية على نار!”.. “مُسيرة مجهولة تضرب سفينتين في ميناء دمياط.. هي دمياط دي في قارة تانية؟! ولا هي كمان قاعدة أمريكانى عشان يبعتوا لها مسيّرة؟! الله يخرب بيت قواعدهم على بيت اللي بسيرهم!! نقوم الصبح نلاقي الدولار رافع دماغه لفوق والجنيه بيستنجد؟”.
أم فوزي تعدل شالها بغضب وتلوّح بمهشّة النار : “واللي يجنن يا عبقرينو، إن الحكومة طلعت بيان وشجبت، وقالت الحمد لله مفيش خسائر ولا إصابات لا في الأرواح ولا في المراكب! ييجي التجار بقى يستغلوا الشائعة، ويهولوا الموضوع، ويرفعوا الأسعار في السوق بحجة دمياط والدولار! جشع جهاراً نهاراً.. ده غير إن بنت أختي في الساحل بتقولي الناس هناك بتاكل كافيار وبيشربوا المشروبات بالسعر القديم ومحدش هامّه! هو الغلاء والجشع ده معمول لينا إحنا بس في الأقاليم والمزارع، والساحل الشرير ده معفي بتكليف رسمي؟!”.
فوزي تيك توك يرفع الهاتف ويوجه الكاميرا لشجر المانجو ولأم فوزي : “يا جماعة أنا عامل لايف من مزرعة الحاج رمضان والناس في الكومنتات هيتجننوا.. عاوزين تفنيدة اقتصادية ترند: إيه علاقة الميناء بالدولار، وليه بيان الحكومة الهادئ ما منعش جشع التجار؟ وليه بتوع الساحل ما بيحسوش بالتضخم؟”.
عبقرينو يبتسم بوقار، ويأخذ قطعة مانجو، ثم يفتح كشكوله : “صلوا على النبي يا جماعة.. الأسئلة دي بتلخص ‘اقتصاد الشائعات وجشع الأسواق’، وتعالوا نفككها بأبسط كلام”.
أولاً: ليه حادثة دمياط ترفع الدولار رغم إن البيان أكد عدم وجود خسائر؟
عبقرينو: “يا خضرة، الأسواق المالية والتجار بيتعاملوا مع المخاوف قبل الواقع ، لما تحصل حادثة حتى لو بدون خسائر في الأرواح أو المراكب زي ما الحكومة أكدت مشكورة:
تأمين الشحن وعلاوة المخاطر (Risk Premium): شركات التأمين العالمية فوراً بترفع أسعار التأمين على أي سفينة داخلة المنطقة التحوّطية دي.
استغلال ‘جشع التجار’ (Greedflation): للأسف بعض التجار وبائعي التجزئة بياخدوا أي خبر أمني شماعة وذريعة فورية، عشان يسبقوا الأحداث ويرفعوا الأسعار على الناس، بحجة ‘احتمال الشحنات تتأخر’!
فالطلب على الدولار يزيد عشان التكاليف التأمينية الطارئة، والجشع يزيد في السوق المحلي.. والنتيجة إن شرطة هيجان الاسعار تتشد في الأسواق كلها!”.
ثانياً: وليه أهل الساحل الشرير ما بيشعروش بالتضخم بنفس الشدة؟
عبقرينو ينظر لأم فوزي : “أما بقى لغز الساحل يا أم فوزي، فده مفهوم في الاقتصاد اسمه هامش الربح المرتفع والمرونة السعرية High Margin.
هامش الربح الخيالي: طبق الكافيار أو المشروب في الساحل متباع أساساً بـ 10 أضعاف ثمنه الأصلي! يعني لو التكلفة زادت بسبب الدولار أو الجشع 10%، صاحب المكان بيمتصها بسهولة جداً من هامش ربحه الضخم من غير ما يضطر يغيّر المنيو كل يوم.
قدرة المستهلك هناك: الزبون رايح بميزانية ترفيهية ضخمة، فقوته الشرائية عالية ومابتتهزش بزيادات بسيطة، عكس البيت اللي بيشتري احتياجاته يوم بيوم وميزانيته على الحد.
خضرة زعزوعي تستوعب الفكرة وتبتسم بذكاء وهي تشير للمانجو والتين والذرة : “يعني افهم من كده إننا هنا في مزرعة الحاج رمضان لو عملنا Lounge ريفي فاخر.. ونزلنا بالذرة المشوي والتين الشوكي، والمانجو العويس الإسماعيلاوي دي كـ ‘Organic Desserts’ أنيقة بتقديم عالي القيمة.. يبقى عندنا نفس هامش الربح ونحمي نفسنا من جشع السوق؟!”.
عبقرينويضرب على الطاولة بحماس : “ألله ينور عليكِ يا خضرة! هو ده اللي بنسميه ‘خلق القيمة المضافة’ (Value Addition). المانجو العويس والذرة والتين دول ثروة هوية وسياحة ريفية (Authentic Tourism)! بدل ما نبيعهم بملاليم ونقع تحت رحمة جشع التجار.. نبيعهم كـ ‘تجربة ريفية أصيلة’، نكسب أضعاف، ونعمل تنمية حقيقية لبلدنا تنقذنا من أي أزمة!”.
أم فوزي تهز رأسها برضا وهي ترفع كوز ذرة سخن :”يعني المانجو العويس والذرة المشوي بتاعنا هيبقى هو ‘كافيار الغلابة’ بس بأعلى قيمة وأجدع ناس؟ والله وطلعت تفهم يا عبقرينو.. وبناقص جشع التجار ودولاراتهم!”.
فوزي تيك توك يصور الختام بابتسامة : “وده كان لايف النهاردة من مزرعة الحاج رمضان: ‘كيف تحول المانجو العويس والذرة إلى حائط صد ضد التضخم وجشع التجار!’.. استنونا في الحلقة الجاية من على أحلى مصطبة!”.
محمد عبد العال
خبير مصرفي






