دكتورة شيماء وجيه تكتب : ارتفاع صافي الأصول الأجنبية الرسالة الأقوى على تعافي القطاع المصرفي
يبعث برسائل ثقة للأسواق المحلية والدولية بشأن قدرة الاقتصاد على توليد النقد الأجنبي وإدارة التزاماته الخارجية بكفاءة

أعلن البنك المركزي المصري ارتفاع صافي الأصول الأجنبية للجهاز المصرفي بما يعادل 571.9 مليار جنيه خلال الفترة من يوليو 2025 وحتى فبراير 2026، بمعدل نمو بلغ 77.1%، منها 321.6 مليار جنيه زيادة في صافي الأصول الأجنبية لدى البنوك، و250.3 مليار جنيه لدى البنك المركزي.
ولا يمثل هذا الرقم مجرد تحسن في أحد المؤشرات المحاسبية، بل يعكس تحولاً جوهرياً في قوة المركز المالي للقطاع المصرفي المصري، ويبعث برسائل ثقة للأسواق المحلية والدولية بشأن قدرة الاقتصاد على توليد النقد الأجنبي وإدارة التزاماته الخارجية بكفاءة.
ويعد صافي الأصول الأجنبية أحد أهم المؤشرات التي تقيس الفارق بين ما يمتلكه الجهاز المصرفي من أصول بالعملات الأجنبية وما عليه من التزامات بالعملات نفسها ، وعندما يتحول هذا المؤشر إلى مستويات مرتفعة ويواصل النمو، فإن ذلك يعني أن البنوك أصبحت تمتلك فائضاً من العملات الأجنبية يفوق التزاماتها، وهو ما ينعكس مباشرة على قوة السيولة الدولارية داخل الجهاز المصرفي، ويحد من الضغوط على سوق الصرف، ويعزز قدرة البنوك على تمويل التجارة الخارجية وخدمة المستثمرين.
وتكتسب هذه القفزة أهمية استثنائية لأنها جاءت مدفوعة بتحسن متوازن لدى كل من البنك المركزي والبنوك التجارية في آن واحد ، فارتفاع صافي الأصول الأجنبية لدى البنك المركزي يعكس استمرار قوة الاحتياطيات الدولية وتحسن إدارة الأصول والالتزامات الخارجية، بينما يؤكد ارتفاعها لدى البنوك التجارية نجاح القطاع المصرفي في استعادة مركزه الخارجي، وزيادة موارده من النقد الأجنبي، وتحسن تدفقات العملاء والاستثمارات والتحويلات.
كما يعكس هذا التطور نجاح السياسات النقدية التي انتهجها البنك المركزي خلال الفترة الماضية، والتي ارتكزت على تحرير سوق الصرف، وتعزيز مرونة سعر العملة، واستعادة الثقة في الجهاز المصرفي، إلى جانب ارتفاع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر وغير المباشر، وتحسن حصيلة السياحة، وزيادة تحويلات المصريين العاملين بالخارج، وهو ما وفر مصادر مستدامة للنقد الأجنبي وأسهم في تعزيز المراكز الخارجية للبنوك.
ومن الناحية المصرفية، فإن ارتفاع صافي الأصول الأجنبية يمنح البنوك مساحة أكبر للتوسع في تمويل عمليات الاستيراد والاعتمادات المستندية، ويخفض تكلفة الحصول على العملات الأجنبية، ويرفع من كفاءة إدارة السيولة بالعملة الأجنبية، كما يعزز قدرة القطاع المصرفي على استيعاب أي صدمات خارجية محتملة دون التأثير على استقرار السوق أو تلبية احتياجات العملاء.
أما على مستوى الاقتصاد الكلي، فإن هذا التحسن يمثل أحد أهم المؤشرات التي تنظر إليها مؤسسات التصنيف الائتماني والمستثمرون الدوليون عند تقييم الاقتصاد المصري، لأنه يعكس انخفاض المخاطر الخارجية، وتحسن القدرة على الوفاء بالالتزامات الدولية، وارتفاع مستويات الثقة في السياسة النقدية، وهو ما يدعم جاذبية السوق المصرية للاستثمارات الأجنبية ويخفض تدريجياً تكلفة التمويل الخارجي.
ورغم أهمية هذا الإنجاز، فإن الحفاظ عليه يتطلب استمرار العمل على تنمية مصادر النقد الأجنبي المستدامة، وفي مقدمتها الصادرات، والاستثمار الأجنبي المباشر، والسياحة، وتحويلات المصريين بالخارج، مع مواصلة الإصلاحات الهيكلية التي تعزز الإنتاج والتنافسية، حتى يتحول تحسن صافي الأصول الأجنبية من مكسب دوري إلى قاعدة هيكلية دائمة تدعم الاقتصاد المصري.
و يمكن القول أخيرا إن ارتفاع صافي الأصول الأجنبية للجهاز المصرفي بنسبة 77.1% خلال 8 أشهر ليس مجرد تطور رقمي، وإنما يعد مؤشراً مصرفياً بالغ الأهمية ، يؤكد أن القطاع المصرفي المصري أصبح أكثر قوة وقدرة على إدارة السيولة الأجنبية، وأكثر جاهزية لدعم النمو الاقتصادي، وأكثر صلابة في مواجهة التقلبات العالمية وهو ما يعكس نجاح السياسة النقدية في استعادة التوازن الخارجي وترسيخ الاستقرار المالي، ويمهد لمرحلة جديدة يكون فيها القطاع المصرفي أحد أهم محركات جذب الاستثمار ودعم التنمية الاقتصادية المستدامة.
دكتورة شيماء وجيه
خبيرة مصرفية






