محمد عبد العال يكتب : التضخم في مايو 2026 .. تراجع مطمئن ورسالة حذر في الوقت نفسه

الرسالة الأبرز في بيانات مايو هي أن التضخم العام واصل التراجع لكن التضخم الأساسي فضّل أن يرفع بطاقة صفراء للأسواق

جاءت بيانات التضخم المصرية لشهر مايو 2026 حاملة مزيجاً من الإشارات الإيجابية ورسائل الحذر في آن واحد ، فمن ناحية، واصل معدل التضخم العام السنوي للحضر تراجعه ليسجل 14.6% مقابل 14.9% في أبريل، بما يعكس استمرار نجاح السياسة النقدية في احتواء الضغوط التضخمية مقارنة بالمستويات المرتفعة التي شهدها الاقتصاد خلال العامين الماضيين ، ومن ناحية أخرى، كشف استقرار معدل التضخم الأساسي السنوي عند 13.8% للشهر الثاني على التوالي عن أن معركة احتواء التضخم لم تُحسم بالكامل بعد.

ووفقاً لبيانات البنك المركزي المصري، سجل التضخم العام الشهري 1.6% خلال مايو مقابل 1.1% في أبريل، فيما سجل التضخم الأساسي الشهري النسبة نفسها البالغة 1.6% مقارنة أيضاً بـ1.1% في الشهر السابق. وهنا تبرز واحدة من أكثر الدلالات أهمية في بيانات هذا الشهر.

عادة ما يتحرك التضخم العام والتضخم الأساسي بوتيرتين مختلفتين نتيجة تأثر الأول بالسلع الأكثر تقلباً مثل الخضروات والفاكهة وبعض الأسعار الإدارية، بينما يعكس الثاني بصورة أوضح الاتجاهات الأساسية للأسعار والضغوط التضخمية الكامنة داخل الاقتصاد. أما في مايو، فقد ارتفع المؤشران الشهريان بالنسبة نفسها تماماً، وهي ظاهرة تستحق التوقف عندها.

هذه القراءة توحي بأن الضغوط السعرية التي شهدها الاقتصاد خلال الشهر لم تكن محصورة في مجموعة محدودة من السلع أو الخدمات، بل امتدت بدرجات متفاوتة إلى نطاق أوسع داخل سلة المستهلك. ولذلك انتقلت الزيادة الشهرية إلى كل من التضخم العام والأساسي بالوتيرة نفسها تقريباً.

ورغم أن التضخم العام السنوي واصل الانخفاض، فإن هذا التراجع يعود بدرجة كبيرة إلى تأثير سنة الأساس، حيث جاءت قراءة مايو 2025 عند مستويات مرتفعة نسبياً. أما القراءة الشهرية الحالية فتشير إلى أن زخم التضخم لم يختفِ بالكامل، بل عاد للارتفاع نسبياً مقارنة بشهر أبريل.

كما أن جزءاً من هذه التطورات قد يعكس استمرار انتقال آثار تعديلات أسعار الطاقة والوقود إلى تكاليف النقل والخدمات والإنتاج، فضلاً عن بعض العوامل الموسمية المرتبطة بزيادة الإنفاق الاستهلاكي مع دخول موسم الصيف والعطلات. وهي عوامل تجعل البنك المركزي حريصاً على مراقبة التطورات خلال الأشهر المقبلة قبل اتخاذ أي خطوات إضافية في مسار التيسير النقدي.

ومن هذه الزاوية تحديداً تكتسب قراءة التضخم الأساسي أهمية خاصة. فبينما يحمل تراجع التضخم العام السنوي إشارات إيجابية تؤكد استمرار الاتجاه النزولي للأسعار، فإن ثبات التضخم الأساسي عند 13.8% يرسل رسالة حذر للأسواق مفادها أن الضغوط التضخمية الجوهرية لا تزال أكثر صلابة من المتوقع، وأن مسار الانخفاض قد لا يكون سريعاً أو منتظماً خلال الفترة المقبلة.

وبالتالي فإن بيانات مايو لا تبدو كافية لتغيير النظرة السائدة بشأن السياسة النقدية خلال المرحلة الحالية. فالبيانات تدعم استمرار نهج التريث والترقب الذي تبناه البنك المركزي خلال اجتماعاته الأخيرة، خاصة في ظل استمرار حالة عدم اليقين المرتبطة بالتطورات الاقتصادية العالمية وأسعار الفائدة الدولية والتوترات الجيوسياسية القائمة.

الخلاصة أن أرقام مايو حملت وجهين للرسالة نفسها ، وجه إيجابي يتمثل في استمرار تراجع التضخم العام السنوي، ووجه أكثر تحفظاً يتمثل في استقرار التضخم الأساسي وعودة القراءات الشهرية للارتفاع ، لذلك يمكن القول إن التضخم يواصل السير في الاتجاه الصحيح، لكنه لم يصل بعد إلى المرحلة التي تسمح بالاطمئنان الكامل أو التسرع في استئناف دورة التيسير النقدي.

وباختصار شديد، فإن الرسالة الأبرز في بيانات مايو 2026 هي أن التضخم العام واصل التراجع، لكن التضخم الأساسي فضّل أن يرفع بطاقة صفراء للأسواق، مؤكداً أن الطريق نحو استقرار الأسعار بشكل كامل لا يزال في حاجة إلى مزيد من الوقت.

محمد عبد العال

خبير مصرفي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى