دكتور زكريا صلاح يكتب : الشمول المالي وفخ القروض الاستهلاكية

الخطر ليس في وجود التمويل الاستهلاكي نفسه بل في الإفراط فيه وتقديمه كبديل للتنمية الحقيقية وتحويل الديون إلى محرك أساسي للاقتصاد والاستهلاك 

يهدف تطبيق الشمول المالي إلي دمج الفئات غير المتعاملة مع القطاع المالي الرسمي وزيادة معدلات الادخار والاستثمار ودعم النمو الاقتصادي، الا أنه يوجد فرق كبير بين الشمول المالي الإنتاجي ، الذي يخلق دخلاً وفرص عمل وأصولًا حقيقية ، والشمول المالي الاستهلاكي ، الذي يوسع دائرة الاقتراض الاستهلاكي دون زيادة حقيقية في الدخل أو الإنتاج.

ويظهر “وهم الشمول المالي” عندما يتم قياس مؤشرات تحقق الشمول المالي بعدد حسابات العملاء والقروض والمحافظ الإلكترونية وإصدار البطاقات ، بينما واقع الأمر زيادة حجم القروض الاستهلاكية والاعتماد عليها والتوسع فيه وليس توسعًا في الإنتاج أو الثروة ، أي يتم دمج العملاء في النظام المالي باعتبارهم مستهلكًين للقروض لا كمنتجين أو مستثمرين.

وتبدأ دورة فخ القروض الاستهلاكية من خلال التوسع في الإتاحة المالية ، بتقديم تسهيلات سريعة وموافقات فورية، و”اشتري الآن وادفع لاحقًا” والتوسع في استخدام بطاقات ائتمان، والتمويل الاستهلاكي الرقمي ، من خلال خطط تسويقية ترغب العملاء فى الإقتراض مثل “احصل على تمويلك فى دقائق وبدون ضامن” أو “إشتري بدون مقدم وقسط براحتك” ، وغيرها من عبارات الترغيب ، فيجرى وراءها العملاء.

وبتكرار عملية الاقتراض يصبح نظام حياة وجزءا من الحياة اليومية ، ويتحول الاحتياج إلى الاستهلاك الممول بالقروض بدلًا من الاعتماد عل الدخل الطبيعي والادخار لتوفير الاحتياجات المطلوبة من أجهزة وكماليات حتى المصروفات اليومية ، ويتحول الأمر إلى الاقتراض أولًا ثم التفكير لاحقًا ، وتكون النتيجة التزامات دائمة ، الأمر الذي يؤدي إلي التآكل التدريجي للدخل الحقيقي مع الوقت و يزداد عدد الأقساط، وتتآكل القدرة الشرائية، ويرتفع عبء خدمة الدين، وينخفض الادخار، وتتزايد الهشاشة المالية للعملاء ، فيعاود العميل الاقتراض لسداد الالتزامات بتمويل جديد لتغطية التزامات قائمة قديمة ، وهنا تبدأ دائرة الدين ، وبالتالي يصبح الشخص الذي تم “دمجه ماليًا” متعثرًا، ومنخفض التصنيف الائتماني، وغير قادر على الاقتراض، ومحاصرًا بالفوائد والرسوم.

وبذلك يعتبر التمويل الاستهلاكي عالي الخطورة اجتماعيًا ، لأن أغلبه استهلاكي ولا يولد دخلاً جديدًا أو ينتج أصلًا منتجًا ، وتبقي الالتزامات بينما السلع المشتراة تتراجع قيمتها السوقية سريعًاً مع استمرار الدين بالكامل.

وعلي مستوي الاقتصاد الكلي يؤدي زيادة التمويل الاستهلاكي إلي زيادة الطلب الاستهلاكي، دون زيادة موازية في الإنتاج فينشئ ضغوطا تضخمية، خاصة في الاقتصادات التي يفوق حجم وارداتها حجم الصادرات، ويضعف الادخار القومي، ويقل تكوين رأس المال المحلي ، وتتعرض الأسر إلي الهشاشة المالية التي قد تدفعها للتعثر سريعًا ، وبالتالي تتعرض المؤسسات المالية إلي المخاطر عند حدوث تباطؤ اقتصادي وارتفاع البطالة وارتفاع معدلات التضخم ، وبالتالي تزداد نسب التعثر وخسائر الائتمان والضغوط على شركات التمويل.

وتساهم التكنولوجيا المالية في تضخيم المشكلة علي الرغم من الايجابيات الخاصة بها ، حيث تساعد في الإقراض الفوري والتقييم الائتماني السريع واستهداف سلوكي للعملاء وتشجيع الاستهلاك اللحظي ، فتصبح سرعة الاقتراض أعلى من سرعة الوعي المالي ، ويظهر خطر”الديون الرقمية السهلة.

لكن التمويل الاستهلاكي ليس شرًا مطلقًا ، ويصبح صحيًا عندما يكون مرتبطًا بدخل مستقر، وضمن حدود قدرة السداد لسلع ضرورية، مع توافر شفافية كاملة ووعي مالي حقيقي.

ومن المؤشرات التحذيرية الخطيرة على مستوى الأفراد أن تكون أقساط التمويل الاستهلاكى للعميل إلى حجم الدخل أكثر من 40–50% ، ويتم استخدام قرض جديد في سداد قرض قديم ، وعلى مستوى السوق تتمثل المؤشرات في نمو سريع جدًا في التمويل الاستهلاكي وموافقات شبه تلقائية وارتفاع نسب إعادة الجدولة.

وقد شهدت دول عديدة أزمات بسبب التوسع المفرط في الائتمان الاستهلاكي، أو الائتمان العقاري منخفض الجودة، ومن أشهر الأمثلة الأزمة المالية العالمية 2008 ، وأزمة الديون الأسرية في بعض الاقتصادات الآسيوية، وأزمات بطاقات الائتمان في عدة أسواق ناشئة ، وكان العامل المشترك بينها التوسع الائتماني غير المنضبط ، الذي يعطي إحساسًا زائفًا بالرخاء والرفاهية المؤقتة.

إن الأمر يتطلب التحول من “شمول ائتماني” إلى “شمول اقتصادي” يركز علي تمويل المشروعات ودعم الإنتاج والتركيز علي التمويل متناهي الصغر المنتج والتمكين المهني ، ورفع الثقافة المالية لإدارة الدخل والادخار وبناء الأصول ، مع ضرورة تواجد رقابة تنظيمية ذكية ، تشمل حدودا لعبء الدين ومتابعتها واختبارات قدرة السداد، ومراقبة الإقراض الرقمي السريع.

وفي مصر مثلًا، ووفق تقارير الاستقرار المالي الصادرة عن البنك المركزي المصري، فإن وزن المؤسسات المالية غير المصرفية داخل النظام المالي لا يزال محدودًا نسبيًا يصل لنسبة 6.5% مقارنة بالقطاع المصرفي، لذلك فإن الخطر الأكبر حالياً غالبًا يكون اجتماعيًا ومعيشيًا على الأسر أكثر من كونه تهديدًا مباشرًا للاستقرار المالي الكلي.

إن الشمول المالي الحقيقي يجب أن يحرر الإنسان اقتصاديًا ومالياً ، أما الشمول المالي الوهمي فيحول العملاء إلى مستهلكين دائمين يعيشون على الأقساط ، والخطر ليس في وجود التمويل الاستهلاكي نفسه، بل في الإفراط فيه، وتقديمه كبديل للتنمية الحقيقية، وتحويل الديون إلى محرك أساسي للاقتصاد والاستهلاك.

دكتور زكريا صلاح الجندي 

خبير مصرفي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى