محمد عبد العال يكتب : قراءة جديدة في تداعيات الحرب على الجنيه المصري

حين تتكلم الأسواق قبل السياسة .. هل نراهن على انتهاء الحرب؟

في نهاية جلسة أمس الاثنين، ارتفعت الأسهم الأمريكية بعد موجة خسائر سابقة، عقب تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب ألمح فيها إلى أن الحرب مع إيران قد تقترب من نهايتها.

ولم يكن ارتفاع الأسهم هو الإشارة الوحيدة، بل صاحبته تحركات لافتة في عدة أسواق؛ إذ تراجعت أسعار النفط بعد قفزات قوية، وانخفض الذهب الذي كان قد ارتفع كملاذ آمن، بينما تحسنت الأصول الأعلى مخاطرة مثل بيتكوين.

هذه التحركات المتزامنة غالباً ما تعكس تحولاً في المزاج الاستثماري من مرحلة الذعر إلى مرحلة تقييم السيناريوهات.

هناك قاعدة شبه ثابتة في الاقتصاد الجيوسياسي تقول إنه عندما تتصاعد المخاطر ترتفع أسعار النفط والذهب، وتتراجع الأسهم، ويتجه المستثمرون إلى الأصول الآمنة ، أما عندما تبدأ الأسواق في الاعتقاد بأن الأزمة قد تكون محدودة زمنياً أو قابلة للاحتواء، فإن هذه الاتجاهات تبدأ تدريجياً في الانعكاس.

من هذا المنظور يمكن قراءة التحركات الأخيرة على أنها رهان حذر من المستثمرين على أن الصراع لن يتحول إلى حرب إقليمية طويلة قد تعطل إمدادات الطاقة العالمية لفترة ممتدة.

بالنسبة للاقتصادات الناشئة، فإن الصدمات الجيوسياسية الكبرى عادة ما تنتقل عبر ثلاث قنوات رئيسية:

  • ارتفاع أسعار الطاقة وما يترتب عليه من زيادة تكلفة الاستيراد.
  • قوة الدولار عالمياً نتيجة توجه المستثمرين إلى الأصول الأمريكية الآمنة.
  • ارتفاع درجة المخاطر بما يدفع بعض الاستثمارات الأجنبية إلى الخروج مؤقتاً من الأسواق الناشئة.

هذه العوامل مجتمعة تفسر الضغوط التي تعرض لها الجنيه المصري خلال الأيام الأخيرة، مع تجاوز سعر الدولار مستوى 52 جنيهاً لأول مرة، في ظل حالة من القلق في الأسواق المحلية.

لماذا قد لا يكون رفع الفائدة هو الحل؟

في مثل هذه الظروف يثار عادة الحديث عن احتمال لجوء البنوك المركزية إلى رفع أسعار الفائدة لاحتواء الضغوط على العملة. غير أن هذا الخيار قد لا يكون الأكثر ملاءمة في الحالة المصرية حالياً.

الضغوط الراهنة لا تعود أساساً إلى اختلال نقدي داخلي، بل إلى عوامل خارجية مرتبطة بالأسواق العالمية والطاقة. ومن ثم فإن رفع الفائدة لن يؤدي إلى خفض أسعار النفط أو تقليل أثر التوترات الجيوسياسية.

كما أن الاقتصاد المصري يتحمل بالفعل مستويات مرتفعة نسبياً من تكلفة التمويل، وأي زيادات استثنائية في أسعار الفائدة قد تضيف عبئاً جديداً على النشاط الاقتصادي والاستثمار.

في المقابل، هناك مجموعة من العوامل التي توفر قدراً من التوازن وتحد من المخاطر، من بينها استمرار تدفقات العملة الأجنبية من مصادر متعددة، مثل تحويلات المصريين في الخارج، وإيرادات السياحة، والاستثمارات الأجنبية، إلى جانب التمويلات الدولية.

كما أن احتياطيات النقد الأجنبي لدى البنك المركزي المصري توفر شبكة أمان مهمة تسمح بامتصاص الصدمات المؤقتة في سوق الصرف دون الحاجة إلى إجراءات نقدية استثنائية.

إذن ردود فعل الأسواق العالمية خلال الساعات الأخيرة تحمل رسالة لا تخلو من التفاؤل الحذر.

فبينما لا تزال الحرب تلقي بظلالها على الاقتصاد العالمي، فإن تحركات الأسهم والنفط والذهب تشير إلى أن المستثمرين بدأوا يراهنون على أن الصراع قد يكون محدوداً زمنياً، وأن أسواق الطاقة لن تتعرض لاضطراب طويل.

وإذا صحت هذه القراءة، فإن الضغوط التي تتعرض لها العملات والأسواق الناشئة ، ومنها الجنيه المصري ، قد تكون تداعيات مؤقتة لعاصفة جيوسياسية عابرة أكثر من كونها تحولاً دائماً في مسار الاقتصاد.

محمد عبد العال

خبير مصرفي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى