محمد عبد العال يكتب : قراءة في خطاب محافظ البنك المركزي المصري عن الاستدامة

لم يكن الخطاب مجرد عرض لسياسات مصرفية فقط بل كان بمثابة منهج يهتدي به القطاع المالي نحو مستقبل أخضر

ألقى حسن عبد الله، محافظ البنك المركزي المصري، خطاباً مهماً في مؤتمر “الابتكار من أجل الصمود” ، ولم يكن الخطاب مجرد عرض لسياسات مصرفية فقط، بل كان بمثابة منهج يهتدي به القطاع المالي نحو مستقبل أخضر.

أهمية هذا الخطاب تكمن في كونه وضع نقاطاً واضحة حول موضوع “التمويل المستدام”، وهو ما يستدعي تسليط الضوء على مفاهيمه وتفكيك محاوره ، لتصل إلى كل مهتم ومتابع للشأن الاقتصادي، خاصة غير المتخصصين الذين قد يكونون في حاجة إلى مزيد من الإلمام والمعرفة فى مثل تلك الأمور العصرية.

وقد سألني بعض المتابعين فعلاً عن بعض الموضوعات الجديدة التي وردت في خطاب المحافظ، منها:

برنامج “30×30”: وكان المفهوم الأكثر إثارة للتساؤل ، والمقصود به هو توجيه 30% من محافظ البنوك الائتمانية لتمويل المشروعات الخضراء بحلول عام 2030 ، هذا ليس مجرد رقم، بل هو إعادة توجيه لبوصلة الاستثمار في مصر.

المناخ كقضية مالية بامتياز : هنا نقل المحافظ المفهوم من حيز “الرفاهية البيئية” إلى قلب “الاستقرار المالي” ، المخاطر المناخية أصبحت مخاطر ائتمانية تهدد قدرة المقترضين على السداد، وبالتالي فإن حماية المناخ هي حماية مباشرة لأموال المودعين.

الالتزام كضرورة استراتيجية: لم يعد التحول للأخضر “خياراً” للمؤسسات المالية، بل أصبح شرطاً للبقاء في منظومة التجارة والتمويل العالمية.

ما وراء الخطاب .. الآثار الاقتصادية والفرص الضائعة:

خيار التمويل الأرخص: التزام القطاع المصرفي المصري بهذه المعايير يفتح أبواباً “مغلقة” مع مؤسسات التمويل الدولية ، مثل البنك الدولي ومجموعة IFC ، هذه الجهات تمنح قروضاً بأسعار فائدة تفضيلية أقل من السوق للدول التي تطبق برامج الاستدامة، مما يخفف العبء عن كاهل الموازنة العامة.

سيناريوهات خفض الدين الخارجي: يتقاطع هذا الخطاب مع رؤيتنا حول “تصفير أو خفض الدين الخارجي” ، فالمؤسسات الدولية أصبحت تميل الآن لمبادلة الديون بالعمل المناخي، مما يعني تحويل جزء من التزاماتنا الخارجية إلى استثمارات خضراء داخلية تعود بالنفع على المواطن.

جذب الاستثمارات النوعية: التزامنا ببرامج مثل “30×30” يحسن من تصنيف مصر في مؤشرات الاستدامة العالمية، مما يجذب “رؤوس الأموال الخضراء” التي تبحث عن بيئة آمنة ومستقرة ومسؤولة بيئياً.

التحول من التقليد إلى الاستدامة : فنحن ننتقل من التمويل التقليدي الذي كان يكتفي بطلب الربح المادي والضمانات الورقية، إلى التمويل المستدام الذي يشترط أن يكون المشروع مربحاً “مالياً”، آمناً “بيئياً”، ومفيداً “مجتمعياً” ، وهي نقلة نوعية تضمن ألا ننمو اليوم على حساب مستقبل الأجيال القادمة.

إن خطاب محافظ البنك المركزي يمثل “حجر الزاوية” في بناء نظام مالي مرن ، وتوضيح هذه المفاهيم اليوم هو واجب لمساعدة المجتمع والمستثمرين على استيعاب قواعد اللعبة الجديدة، حيث تصبح “الاستدامة” هي العملة الأقوى في سوق الغد.

محمد عبد العال

خبير مصرفي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى