محمد عبد العال يكتب .. المقايضة الكبرى .. بين الطموح المحاسبي والاستقرار الاستراتيجي
إن حماية قناة السويس كأصل سيادي والبنك المركزي كحارس السياسة النقدية يتطلبان بقاء كل منهما في مساره المستقل
تبدو فكرة نقل أصول أو تدفقات قناة السويس إلى البنك المركزي للوهلة الأولى كمناورة محاسبية ذكية، لكنها في العمق تثير تساؤلات تمس جوهر الأمن القومي الاقتصادي واستقلالية البنك المركزي.
تتبلور الفكرة المقترحة في قيام الحكومة بنقل ملكية أصول أو تدفقات القناة للمركزي مقابل شطب مديونية الحكومة لديه.
وفيما يلي تحليل معمق لهذه الفكرة عبر مبررات الرافضين ودعاوى المؤيدين:
أولاً: أسباب التحفظ والرفض الرؤية الهيكلية:
استقلالية البنك المركزي : الوظيفة الأساسية للمركزي هي الرقابة وإدارة السياسة النقدية، لا إدارة الأصول التجارية ، وتملك المركزي لأصول إنتاجية كالقناة يخلق تضارباً في المصالح ويضعف مصداقيته الدولية كرقيب مستقل، خاصة وهو يسعى حالياً للتخلص من حصصه التاريخية في بعض البنوك ، مثل المصرف المتحد.
الجانب التشريعي والسيادي : قناة السويس هيئة سيادية يحكمها قانون خاص. تحويلها لأصل مالي يتطلب تعقيدات تشريعية ودستورية ، كما أن وضعها في ميزانية المركزي يجعل استقرار “الجنيه” رهيناً بالتوترات الجيوسياسية التي قد تضرب الملاحة، مما يهز صلابة المركز المالي للبنك.
فخ المحاسبة الإبداعية “”Window Dressing : نقل الدين من جيب المالية إلى “جيب” البنك المركزي هو سداد ورقي وليس حقيقياً ، فالدولة كمجموعة موحدة تظل مدينة بنفس الرقم ، الخطورة تكمن في منح “شعور زائف بالأمان” قد يشجع على التوسع في الاقتراض مجدداً.
نظرة المؤسسات الدولية : وكالات التصنيف ، مثل موديز وستاندرد آند بورز ، تركز على صافي الأصول السائلة ، واستبدال ديون سيادية بأصول غير سائلة “القناة” قد يُفسر كإضعاف لمركز البنك المركزي الذي يجب أن تظل أصوله ذهباً ونقداً وسندات دولية سهلة التسييل.
ثانياً : أسباب التأييد .. الرؤية الإجرائية:
تنظيف الميزانية “Balance Sheet Clean-up” : يرى المؤيدون أن تحويل الديون الحكومية “غير المدرة” في ميزانية المركزي إلى “أصول إنتاجية” تدر دولاراً يعزز من واقعية وقوة الميزانية.
خفض كلفة الدين : شطب المديونية يوفر مليارات الجنيهات من “فاتورة الفوائد” في الموازنة العامة، مما يقلل العجز ويوفر مساحة للإنفاق الاجتماعي.
الحصانة القانونية : توجد وجهة نظر ترى أن وضع القناة تحت مظلة المركزي يمنحها “حصانة سيادية”” Sovereign Immunity أكبر ضد أي مطالبات أو أحكام دولية أجنبية.
مرونة التوريق : تتيح للمركزي إصدار سندات مدعومة بعوائد القناة بكلفة منخفضة نظراً لملاءة البنك المركزي العالية.
ثالثاً: الرأي والتقييم النهائي:
انطلاقاً من الواجب المهني والمشاركة الإيجابية في القضايا المصيرية، أجد نفسي متحفظاً على هذا الاقتراح شكلاً وموضوعاً ، فرغم منطقيته “المحاسبية الصرفة”، إلا أنه يظل حلًا “تجميلياً” وليس “هيكلياً”، وذلك للمخاطر التالية:
مخاطرة التركز Concentration Risk : وضع قلب النظام المالي “المركزي” وأهم مورد دولاري “القناة” في سلة واحدة هو مجازفة كبرى في أوقات الأزمات.
الوهم النقدي : قد يؤدي هذا الإجراء لـ “تمويل الديون تضخمياً” بشكل مستتر، مما يشعل أسعار المستهلكين مرة أخرى.
تساؤلات تفرض نفسها:
موقف الحكومة .. قد تجد الفكرة قبولاً في الدوائر التنفيذية كـ “قُبلة حياة” رقمية لخفض نسبة الدين “Debt-to-GDP” لكن التكلفة ستكون المساس بـ “الخط الأحمر” الشعبي والسياسي للقناة.
موقف صندوق النقد .. المرجح هو المعارضة ، فالصندوق يقدس استقلالية المركزي وشفافية الإصلاح الهيكلي بعيداً عن المناورات المحاسبية.
خاتمة :
إن غياب النماذج الدولية الناجحة وتحذيرات المؤسسات الدولية تجعل من هذا الاقتراح مغامرة غير مأمونة العواقب.
إن حماية قناة السويس كأصل سيادي والبنك المركزي كحارس السياسة النقدية يتطلبان بقاء كل منهما في مساره المستقل.
الحل المستدام يكمن في تنمية الموارد والنمو الإنتاجي وليس في إعادة ترتيب الأصول داخل خزائن الدولة.
محمد عبد العال
خبير مصرفي





