محمد عبد العال يكتب.. لماذا ثبت البنك المركزي الفائدة؟

تحليل لقرار لجنة السياسة النقدية الأخير .. الرابحون والخاسرون

في اجتماعها يوم الخميس الماضي قررت لجنة السياسة النقدية للبنك المركزي المصري الإبقاء على سعري عائد الإيداع والإقراض لليلة واحدة وسعر العملية الرئيسية للبنك المركزي عند 21% و 22% و21.50% على الترتيب ، كما قررت الإبقاء على سعر الائتمان والخصم عند 21.50% ، ويعكس هذا القرار تقييم اللجنة لآخر تطورات التضخم وتوقعاته منذ الاجتماع السابق.

وجاء هذا القرار كـ “تثبيت حذر” يضع الأمن النقدي في أولوية قصوى ، رغم أن المؤشرات الاقتصادية كانت تشير إلى إمكانية الاستمرار في التيسير.

الأسباب الجوهرية للتثبيت :

– التحوط ضد عدم اليقين العالمي المحتمل من التوترات الجيوسياسية واضطرابات سلاسل الإمداد ، فاللجنة اختارت الإبقاء على سعر الفائدة كما هو، وتفضيل الإلتزام بمنهج حذر في تيسير سياستها النقدية كـ “بوليصة تأمين” ضد أية صدمات خارجية قد ترفع أسعار السلع الأساسية مجددًا، خاصة مع الثبات النسبي لأسعار الخدمات.

– تثبيت الفائدة يعني الاحتفاظ بعائد حقيقي مرتفع 8.50% يضمن بقاء الجنيه المصري جذابًا للاستثمارات الأجنبية ، الأموال الساخنة ، مما يوفر دعمًا ضروريًا للاستقرار في سوق الصرف.

تحليل التداعيات المتوقعة:

التداعيات السلبية :

– سعر الفائدة الحقيقي يمثل عبئًا كبيرًا على تكلفة التمويل للمشروعات والشركات ، رغم النمو عند 5.2% ، مما يحد من التوسع ويؤخر سد فجوة الناتج ، بما يؤكده ارتفاع معدل البطالة إلى 6.4%.

– استمرار الفائدة المرتفعة يفاقم من أعباء خدمة الدين العام للحكومة.

التداعيات الإيجابية :

– استقرار الأسعار : فقرار التثبيت يعزز مصداقية المركزي في تحقيق هدفه النهائي ، التضخم 7% زائد أو ناقص 2% بحلول 2026 ، ويؤكد التزامه بترسيخ التوقعات.

– حماية الاحتياطيات : حيث يضمن القرار استمرار تدفق النقد الأجنبي إلى البلاد، مما يعزز قدرة الدولة على تمويل وارداتها وسداد التزاماتها.

الرابحون والخاسرون في القطاعات النوعية :

استمرار السياسة النقدية التقييدية، والإبقاء على سعر عائد حقيقي مرتفع يُعد قرارًا يحقق توازنًا دقيقًا بين حماية الاستقرار النقدي وكبح النشاط الاقتصادي، مما يخلق فائزين وخاسرين واضحين في السوق.

الفائزون : المستفيدون من العائد المرتفع والاستقرار ، حيث يتركز الربح في الأساس حول الفئات التي تستفيد من العوائد المالية العالية والسيولة المضمونة.

القطاع المصرفي هو المستفيد الأول، حيث يضمن استمرار هذا الهامش المرتفع الحفاظ على أرباح قوية وكفاءة في جذب الودائع.

وبالمثل، تستفيد جميع الفئات التي تعتمد على الدخل الثابت، خاصة المستثمرين الأجانب في أدوات الدين الحكومية، إذ يمثل العائد الحقيقي الذي يصل إلى 8.5% مغناطيسًا قويًا للأموال الساخنة، مما يدعم استقرار العملة.

أما القطاع العقاري، فيستفيد بشكل غير مباشر ، فبرغم ارتفاع تكلفة التمويل عليه، لكن استمرار العائد المرتفع يدفع السيولة الكبيرة إلى البحث عن ملاذات آمنة طويلة الأجل ضد أي تآكل مستقبلي للقوة الشرائية، فيظل العقار الخيار المفضل لحماية رأس المال.

الخاسرون: هم المتضررون من ارتفاع تكلفة الائتمان ،وتقع الخسارة الأكبر على عاتق القطاعات التي تعتمد على التمويل لزيادة الإنتاج والتشغيل. يتصدر قائمة الخاسرين القطاع الصناعي والتصديري ، حيث يؤدي ارتفاع أسعار الفائدة إلى زيادة تكلفة رأس المال العامل وتمويل الآلات الجديدة، مما يضعف من قدرة المنتجات المحلية على المنافسة في الأسواق الخارجية ويثبط الاستثمارات الرأسمالية الضرورية للتوسع.

ولا يختلف الأمر كثيرًا بالنسبة للقطاع الزراعي، الذي تزداد فيه تكلفة القروض اللازمة لشراء المدخلات الزراعية، مما يقلل من هامش الربح.

أما المطورون العقاريون والمقاولون فهم يتأثرون مباشرة بارتفاع تكلفة قروض التمويل العقاري، مما يرفع تكاليف المشاريع الجديدة ، وقد يضطرهم إلى تحميل جزء من هذه التكلفة على سعر البيع النهائي.

وأخيرًا، يُعد قطاع الأسهم والبورصة متضررا نسبياً نتيجة المنافسة القوية التي يفرضها العائد المرتفع الخالي من المخاطر في البنوك.

والخاسر الأكبر بشكل مباشر وغير مباشر هو الموازنة العامة للدولة ، حيث أن استمرار سعر الفائدة المرتفع يضمن استمرار التزام الحكومة بدفع فاتورة خدمة دين ضخمة، مما يستنزف الموارد المالية التي كان يمكن توجيهها لتحفيز النمو أو تحسين الخدمات العامة، وبالتالي يؤثر على قدرة الاقتصاد الكلي على التعافي والوصول إلى طاقته القصوى.

محمد عبد العال

خبير مصرفي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى