محمد عبد العال يكتب : ماذا يحدث للجنيه المصري في ظل اضطراب الأسواق العالمية؟

تبدو تحركات الجنيه الأخيرة انعكاساً طبيعياً لموجة اضطراب عالمية تضغط على معظم عملات الأسواق الناشئة أكثر من كونها تغيراً فى الأساسيات الاقتصادية المحلية

شهد سوق الصرف فى مصر خلال أمس ، الأحد ، موجة من الضغوط دفعت الجنيه المصرى إلى التراجع متجاوزاً مستوى 52 جنيهاً للدولار، فى حركة أثارت تساؤلات واسعة داخل الأوساط الاقتصادية حول أسباب هذا التحرك ومدى استمراره خلال الفترة المقبلة.

الواقع أن ما يحدث لا يمكن عزله عن المشهد العالمى المضطرب، حيث أدت التوترات الجيوسياسية الأخيرة إلى موجة من القلق فى الأسواق الدولية، دفعت المستثمرين إلى تقليل انكشافهم على الأسواق الناشئة والتوجه نحو الأصول الأكثر أماناً، وعلى رأسها الدولار والسندات الأمريكية.

فى هذا السياق، شهدت أدوات الدين فى عدد من الأسواق الناشئة، ومنها مصر، خروج جزء من الاستثمارات الأجنبية قصيرة الأجل المعروفة بالأموال الساخنة، حيث تشير التقديرات إلى خروج تدفقات تقترب من ثلاثة مليارات دولار خلال الأسبوع الماضى. هذه التدفقات عادة ما تكون شديدة الحساسية للتقلبات العالمية، إذ تتحرك بسرعة فى اتجاه تقليل المخاطر عند تصاعد التوترات الدولية.

ومع نظام سعر الصرف المرن الذى تتبناه مصر حالياً، فإن تحركات العرض والطلب فى سوق النقد الأجنبى تنعكس بصورة أسرع على سعر الصرف، وهو ما يفسر جانباً من التراجع الذى شهده الجنيه فى الأيام الأخيرة.

وقد أثار تحرك سعر الصرف أمس تساؤلات حول كيفية خروج الأموال الأجنبية فى وقت تكون فيه الأسواق العالمية مغلقة؟.

إن خروج الاستثمارات الأجنبية لا يحدث لحظياً فى نفس يوم القرار، بل يمر بعدة مراحل تبدأ ببيع المستثمرين لأدوات الدين المحلية، ثم تحويل حصيلة البيع من الجنيه إلى الدولار عبر البنوك المحلية، قبل تحويل الأموال إلى الخارج فى أيام العمل التالية، وهو ما يفسر استمرار الطلب على الدولار داخل السوق المحلية حتى مع إغلاق بعض الأسواق العالمية.

لكن الضغوط الحالية لا تقتصر فقط على حركة رؤوس الأموال قصيرة الأجل، إذ تلعب التطورات العالمية دوراً مهماً عبر ما يمكن وصفه بـ “قناة التضخم المستورد”.

فالتوترات الجيوسياسية غالباً ما تنعكس سريعاً على أسعار النفط العالمية، ومع ارتفاع أسعار الطاقة ترتفع تكلفة الإنتاج والنقل، وهو ما ينعكس تدريجياً على أسعار السلع والخدمات فى العديد من الاقتصادات.

وفى حالة مصر، يكتسب هذا العامل أهمية خاصة نظراً لاعتماد الاقتصاد بدرجة كبيرة على الاستيراد لتلبية احتياجاته من السلع الوسيطة والنهائية، حيث تقدر بعض التقديرات أن نحو 70% من احتياجات السوق المحلية ترتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالواردات.

كما أن التوترات فى المنطقة تؤدى عادة إلى ارتفاع تكاليف الشحن البحرى والتأمين على السفن، خاصة إذا تأثرت ممرات التجارة الدولية، وهو ما يضيف أعباء إضافية على تكلفة نقل السلع إلى الأسواق المختلفة ، ومع ارتفاع تكلفة الشحن والطاقة معاً، ترتفع القيمة الدولارية للواردات، بما يضغط على فاتورة الاستيراد ويزيد الطلب على العملة الأجنبية.

وتخلق هذه العوامل مجتمعة حلقة مترابطة من الضغوط الاقتصادية: ارتفاع أسعار الطاقة والشحن يؤدى إلى زيادة فاتورة الاستيراد، وهو ما يرفع الطلب على الدولار، ويضغط على سعر الصرف، الأمر الذى ينعكس بدوره فى ارتفاع تكلفة الواردات ومن ثم زيادة معدلات التضخم محلياً.

ومن ثم فإن أحد أهم التحديات خلال الفترة المقبلة يتمثل فى احتمالات عودة ما يعرف بالتضخم المستورد، عبر ثلاث قنوات رئيسية: ارتفاع أسعار الطاقة، وزيادة تكلفة النقل والشحن، وتأثير تحركات سعر الصرف على تكلفة السلع المستوردة.

هذه التطورات تضع السياسة النقدية أمام معادلة دقيقة، ففى الوقت الذى كانت فيه الأسواق تتوقع بدء دورة تدريجية لخفض أسعار الفائدة مع تراجع معدلات التضخم خلال الأشهر الماضية، قد تدفع الضغوط التضخمية الجديدة البنك المركزى إلى تبنى موقف أكثر حذراً فى الفترة المقبلة.

فالحفاظ على استقرار الأسعار يظل أولوية أساسية للسياسة النقدية، كما أن الإبقاء على عائد حقيقى جاذب نسبياً على أدوات الدين المحلية يساعد فى الحد من خروج الاستثمارات الأجنبية قصيرة الأجل ويعزز استقرار سوق الصرف.

وفى النهاية، تبدو تحركات الجنيه الأخيرة انعكاساً طبيعياً لموجة اضطراب عالمية تضغط على معظم عملات الأسواق الناشئة، أكثر من كونها تغيراً فى الأساسيات الاقتصادية المحلية ، ومن ثم فإن مسار العملة المصرية خلال الفترة المقبلة سيظل مرتبطاً إلى حد كبير بتطورات المشهد الجيوسياسى العالمى ومدى استمرار حالة عدم اليقين فى الأسواق الدولية.

محمد عبد العال

خبير مصرفي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى