محمد عبد العال يكتب : “المَصْطَبَة الاقْتِصَاديَّة 8”

"الـ ATM تحت البلاطة!"

المكان: مزرعة الحاج رمضان ، الجو ريفي ساحر، رائحة البرسيم والقهوة تفوح في المكان.

الحاج رمضان يجلس مزهوّاً بـ”عباءته” الجديدة التي يرتديها في الأعياد فقط، ويمسك بيده عصاه الأبنوس بكل فخر وهيبة ، أم فوزي تجلس على الحصيرة وبجوارها قفص الخضار، وخضرة زعزوعي تتابع المشهد بعيون تلمع بالذكاء والوعي، بينما فوزي تيك توك ممسك بهاتفه يصور الأجواء “لايف”.

يترأس الجلسة الخبير المصرفى “أبو أحمد”، وبجواره “عبقرينو” المساعد الذكي ومعه جهاز اللاب توب.

ملحوظة: الحاج رضوان ما زال في المملكة العربية السعودية يؤدي فريضة الحج وسوف يتأخر قليلاً لأنه مسافر برّاً.

الحاج رمضان يضرب الأرض بعصاه الأبنوس في زهو:”يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم.. الشاي يا فوزي يا ابني وبطل تقليب في الشاشة دي.. قول لي يا أبو أحمد، البنوك في البلد جرى لها إيه؟ الناس ملمومين قدام مكن السحب وبيقولوا إنه فضي، كأن فيه “نداهة” سحبت الفلوس من جوف الحيطة!”.

فوزي تيك توك يقاطع بحماس وهو يوجه كاميرا الهاتف لنفسه:”يا حاج رمضان، نداهة إيه بس! ده الحوار ساخن جداً على الساحة المصرية اليومين دول.. المصريين سحبوا حوالي مائة مليار جنيه مصري كاش من أجهزة الـ ATM في تسعة أيام بس! أنا عامل فيديو عن الموضوع ده ومكسر الدنيا!”.

أم فوزي تلطم خديها بخفة وتلتفت لابنها:”يا مري! مييت مليار في تسعت أيام؟ راحوا فين يا فوزي؟ هو إحنا هناكل فلوس يا ضنايا؟ طب ما سوق الاثنين شغال وسوق الجمعة شغال، والفرخة بالفرخة، والهدمة بالهدمة، بنبدل السلع والبيع والشرا ماشي.. إيه “الشُمول المالي” اللي قالبين بيه دماغي في التلفزيون ده؟ شمول يعني ضلمة محشي شاملة كل حاجة؟”.

أبو أحمد يبتسم بوقار ويعدل نظارته: “وحدي الله يا أم فوزي.. الشمول المالي ده مش حلة محشي، ده معناه ببساطة إن كل مواطن، من أول فئات المجتمع كلها لحد الست اللي بتبيع في السوق، يكون ليه حساب في البنك، يقدر يدفع ويقبض من غير ما يشيل رزم ورق في جيبه.. المشكلة يا جماعة مش تقصير من البنوك.. المشكلة إن التعامل بالكاش ثقافة متجذرة لأسباب متعددة؛ منها موسمية السحب في الأعياد وتصادف صرف المرتبات، وتلبية الاحتياجات الاجتماعية زي الزواج والخطوبة.. في أيام الأعياد والحصاد، والأهم من ده كله هو “الجينات الفرعونية” المتأصلة فينا في حب الاكتناز تحت البلاطة!”.

عبقرينو يدخل في الحوار متحمسًا مستعرضاً شاشته: “أبو أحمد جاب الخلاصة يا أم فوزي! البيانات والتاريخ بيقولوا إن جينات الأجداد لسه شغالة.. إحنا لما بنفتح مقابر الفراعنة بنلاقي إيه؟ بنلاقي نقوداً ذهبية وسبائك وحلي، عمرنا ما لقينا “كارت” مصنوع من ورق البردى مثلاً مع المومياء! الفراعنة سابوا لنا جينات عشق الشيء الملموس.. المواطن مننا أول ما يقف قدام مكنة الـ ATM جينات “توت عنخ آمون” بتصحي جواه ويحس إنه بيجمع كنز جده!”.

خضرة زعزوعي تعدل طرحتها وتتكلم بوعي وثقة: “شوف يا أبو أحمد.. بما إن الثقافة كدة، والناس بتموت في الكاش والدنيا زحمة في مواسم الأعياد.. أنا جاتلي فكرة تسويقية جهنمية هعمل لها حملة في القرية والقرى المجاورة عشان نخلي المعاملات الحياتية اليومية تتم بدون كاش خالص!”.

الحاج رمضان يعدل عباءته: “قولي يا ناصحة.. إيه هي الفكرة؟”.

خضرة زعزوعي: “أنا هحول دولاب الدخلة بتاع أمي لجهاز ATM ريفي! بس بشرط.. مفتاح تعبئته بالنقدية يكون مع “مصرى كبير” ومحترم زي حضرتك يا أبو أحمد تملى الدولاب فلوس.. أما شفرة السحب والباسوورد تكون معايا أنا.. وأنا اللي هقف أنظم طوابير الناس وأضمن سلامة العملية وعدم حدوث أي مشاكل.. وبكدة نمنع الكاش خالص في المعاملات!”.

أم فوزي تصرخ: “يا مصيبتي! هتقلبي دولاب جوازي مكنة فلوس يا خضرة؟ والناس تقف طوابير عند السرير؟”.

أبو أحمد يطقطق بيده ويضحك بملء فيه: “فكرة ذكية بس تودي في داهية يا خضرة! ده لو البنك الفيدرالي الأمريكي سمع الكلام ده ، “كيفين وارش” ورفاقه هيسيبوا أسعار الفائدة والتضخم العالمي، وهيجوا يعملوا “إعادة هيكلة” لدولاب أمك ويقفلوا لك المحفظة الدولية دي فوراً!”.

خضرة زعزوعي تنظر لأبو أحمد وعبقرينو بجدية: “ما هو ده اللي يخليني أسألكم يا أبو أحمد ويا عبقرينو.. الجماهير بره بتنتقد إدارة البنوك بشدة وبتتهمها بالمسؤولية لما المكن يفضى.. فمن المسؤول فعلاً؟ .. هل البنوك مقصرة فعلاً أم هي ثقافة الناس؟ .. ولماذا لا يستخدم المواطنون وسائل الدفع الأخرى كالبطاقات البلاستيكية بأنواعها وتطبيق “إنستا باي” أو التحويلات اللحظية؟ .. وماذا كانت ستفعل تلك الجماهير لو فكرت بعقلانية بدلاً من انتقاد البنوك زوراً؟”.

عبقرينو يفتح شاشته ويستعرض الرسوم البيانية:”اسمح لي يا عمدة الاقتصاد أبو أحمد أوضح الحسبة دي لخضرة.. البنوك مش ساحر بيطلع فلوس من قبعته! المكنة ليها سعة استيعابية محددة كأوراق نقدية، وتغذيتها المستمرة في إجازات الأعياد الطويلة صعبة جداً بسبب قفل الطرق والزحمة وإجراءات الأمان للأموال المنقولة .. الجماهير اللي بتنتقد البنوك لو استخدمت الكروت اللي في جيبها أو تطبيق “إنستا باي ” InstaPay، مكنش حد وقف ثانية واحدة في الطابور ولا حصلت الأزمة دي أصلاً!”.

أبو أحمد مؤكداً وموجهاً حديثه للجميع: “تمام يا عبقرينو .. وعشان نخرج من المصطبة دي بفوائد عملية ونشتغل كلنا كفريق واحد جهات رسمية، إعلام، بنوك، ومواطنين للمساعدة في خفض المعاناة وعدم تكرار الحالات دي، دي مقترحاتنا وتوصياتنا”:

للبنوك والجهات الرسمية: استخدام الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالمكن اللي هيخلص بدري وتغذيته قبل ما يفضى التغذية الذكية المسبقة، وزيادة سعة المكن النقدية قبل المواسم والإجازات الطويلة.

للإعلام والجهات الرسمية: تكثيف حملات التوعية البسيطة بلغة قريبة من المواطنين لتبسيط مفهوم الشمول المالي والدفع الرقمي، وتوضيح إن الفلوس في التطبيقات أأمن وأسهل.

للمواطنين والتجار: تفعيل وسائل الدفع الإلكتروني في المحلات والأسواق، وتقديم حوافز وعروض تشجيعية خصومات أو كاش باك للي يدفع بالموبايل أو الكارت عشان نشجع ثقافة الـ “لا كاش”.

لفوزي تيك توك: بدل ما تعمل فيديو عن الـ 100 مليار كاش وتزود القلق، اعمل فيديو “تحدي” إزاي تقضي العيد وتشتري حاجتك كلها من غير ما تستخدم ورقة كاش واحدة، كله بالموبايل وتطبيق “إنستا باي”!.

عبقرينو:”وأنا من موقعي هذا كـ AI مصطبجي أول، مستعد أعمل برنامج تدريبي مجاني لشباب القرية عشان يعلموا أهاليهم إزاي يفتحوا محافظ إلكترونية على تليفوناتهم”.

أم فوزي مقتنعة: “والله لو المحفظة دي هتحمي دولابي من أفكار خضرة، أنا أول واحدة هعملها يا عبقرينو!”.

الحاج رمضان يضحك ويضرب الأرض بعصاه الأبنوس: “عفارم عليكم! دي المصطبة الاقتصادية ولا بلاش.. فهمنا وعقلنا.. الشاي يا فوزي، ودير المحرك يا عبقرينو عشان الحلقة دي تنزل وتوصل لكل الناس بالوعي مش بالتهويل!”.

تنتهي الحلقة بأغنية ريفية خفيفة ممزوجة بنغمات تكنولوجية.

محمد عبد العال

خبير مصرفي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى