محمد عبد العال يكتب : الفيدرالى الأمريكى بين استقلال القرار وضغوط الجغرافيا السياسية
يقف كيفين وارش أمام اختبار تاريخى وهو كيف يدعم الاقتصاد الأمريكى دون أن يفقد الفيدرالى أهم ما يملكه .. المصداقية

يدخل الاحتياطى الفيدرالى الأمريكى مرحلة شديدة الحساسية مع اقتراب تولى كيفين وارش رئاسة البنك المركزى الأمريكى، فى توقيت تتشابك فيه الضغوط السياسية مع التوترات الجيوسياسية ومخاطر التضخم العالمى، بما يجعل العالم ربما أمام بداية مرحلة جديدة فى إدارة السياسة النقدية الأمريكية، تختلف عن السنوات السابقة التى اتسمت بوضوح أكبر فى حدود العلاقة بين البيت الأبيض والفيدرالى.
الجديد هذه المرة لا يتعلق فقط بتغيير رئيس الفيدرالى، بل أيضاً بالتغير الملحوظ فى خطاب الإدارة الأمريكية نفسها، بعد إشارات للرئيس الأمريكى مؤخراً تفيد بترك مساحة أوسع لوارش لاتخاذ القرار المناسب بشأن أسعار الفائدة، فى تحول نسبى مقارنة بالفترة السابقة التى شهدت ضغوطاً سياسية علنية ومتكررة على جيروم باول لخفض الفائدة سريعاً ، لكن هذا التحول لا يعنى بالضرورة انتهاء التأثير السياسى على السياسة النقدية، بقدر ما يعكس إدراكاً متزايداً داخل الإدارة الأمريكية لحساسية المرحلة الحالية، خاصة مع عودة الضغوط التضخمية وارتفاع أسعار النفط والتوترات الجيوسياسية التى تضع الفيدرالى أمام معادلة أكثر تعقيداً.
فالاقتصاد الأمريكى يواجه حالياً بيئة مختلفة عن تلك التى دفعت الأسواق سابقاً إلى المراهنة على خفض الفائدة ، حيث عادت أسعار الطاقة للارتفاع بفعل التوترات الإقليمية، بينما مازالت سوق العمل الأمريكية متماسكة نسبياً، كما أن التضخم لم ينكسر بصورة كاملة ومستدامة، وهو ما يجعل أى تيسير نقدى سريع محفوفاً بالمخاطر ، لذلك بدأت الأسواق بالفعل تتحدث عن احتمال استمرار الفائدة المرتفعة لفترة أطول، بل إن بعض التقديرات لم تعد تستبعد سيناريو العودة إلى رفع الفائدة إذا تصاعدت الضغوط التضخمية أو حدثت صدمة جديدة فى أسواق الطاقة أو سلاسل الإمداد.
ومن هنا تأتى حساسية اختيار كيفين وارش تحديداً، حيث يُنظر إليه باعتباره أقرب إلى المدرسة الداعمة للنمو والاستثمار مقارنة ببعض رموز التشدد النقدى التقليدى، لكنه فى الوقت نفسه يدرك أن الحفاظ على مصداقية الفيدرالى يمثل ركيزة أساسية لاستقرار الدولار والأسواق الأمريكية ، ولذلك قد يجد نفسه عملياً مضطراً للحفاظ على سياسة نقدية حذرة، حتى لو بدا خطابه أقل تشدداً من جيروم باول.
وفى تقديرى، فإن العلاقة بين الإدارة الأمريكية ووارش ستتحرك وفق 3 سيناريوهات رئيسية:
السيناريو الأول، وهو الأقرب حالياً، يقوم على “التفاهم الهادئ” ، بحيث تتراجع الضغوط السياسية المباشرة على الفيدرالى مع استمرار التنسيق غير المعلن بين السياسة النقدية والاحتياجات الاقتصادية للإدارة الأمريكية، بما يسمح بالحفاظ على صورة استقلال البنك المركزى وتهدئة الأسواق فى الوقت نفسه.
السيناريو الثانى، قد يظهر إذا تعرض الاقتصاد الأمريكى لتباطؤ ملحوظ أو بدأت معدلات البطالة فى الارتفاع، حيث قد تعود الضغوط السياسية مجدداً للمطالبة بخفض الفائدة دعماً للنمو والأسواق، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية ، وهنا سيواجه وارش اختباراً حقيقياً بين حماية مصداقية الفيدرالى أو الاقتراب بصورة أكبر من التوجهات الاقتصادية للإدارة الأمريكية.
السيناريو الثالث ، والأكثر خطورة مرتبط باحتمالات اتساع التوترات الجيوسياسية، سواء فى الشرق الأوسط أو فى أى بؤرة صراع مؤثرة على الطاقة والتجارة العالمية ، ففى حال حدوث قفزات حادة فى أسعار النفط أو اضطرابات واسعة فى سلاسل الإمداد، قد يضطر الفيدرالى إلى تأجيل أى خفض للفائدة بالكامل، وربما العودة إلى تشديد السياسة النقدية، وهو ما قد يدعم الدولار مؤقتاً باعتباره ملاذاً آمناً، لكنه فى المقابل سيضغط على الاقتصاد العالمى والأسواق الناشئة بصورة كبيرة.
وفى هذا السياق، يصبح النفط لاعباً محورياً فى معادلة السياسة النقدية العالمية ، فاستمرار الأسعار المرتفعة يعنى بقاء الضغوط التضخمية، وتأجيل أى تحول نحو التيسير النقدى، بينما قد يسمح أى انفراج جيوسياسى بتراجع تدريجى للتضخم وإعادة فتح الباب أمام خفض الفائدة لاحقاً ، كما أن الدولار الأمريكى سيظل مدعوماً فى الأجل القصير بعوامل عدة، أبرزها الفائدة المرتفعة والطلب على الملاذات الآمنة، لكن الخطر الحقيقى يكمن فى أى اهتزاز لمصداقية استقلال الفيدرالى، لأن ذلك قد يخلق تقلبات أوسع فى أسواق المال والسندات الأمريكية.
هذه التحولات لا تبدو بعيدة عن حسابات البنوك المركزية فى الأسواق الناشئة، وعلى رأسها البنك المركزى المصرى، الذى يستعد لاجتماع بالغ الحساسية للجنة السياسة غدا الخميس ، فاستمرار الفائدة الأمريكية المرتفعة، وصعود الدولار، وارتفاع أسعار النفط، كلها عوامل تضغط على قرارات السياسة النقدية فى الاقتصادات الناشئة، خاصة تلك التى تسعى للحفاظ على استقرار سعر الصرف وجاذبية أدوات الدين المحلية، دون التضحية بمعدلات النمو والاستثمار.
ورغم هذه الضغوط، فإن السيناريو الأقرب فى تقديرى يظل هو تثبيت أسعار الفائدة فى مصر، وليس العودة إلى الرفع، لعدة اعتبارات ، أولها أن البنك المركزى المصرى بات يعتمد بصورة أكبر على أدوات إدارة السيولة وامتصاص الضغوط النقدية عبر آليات السوق المفتوحة، إلى جانب السماح للبنوك بطرح أوعية ادخارية مرتفعة العائد عند الحاجة، بما يحقق قدراً من التشديد غير المباشر دون تحميل الاقتصاد أعباء رفع جديد للفائدة الرسمية.
كما أن رفع الفائدة فى هذه المرحلة قد يضغط بصورة إضافية على الاستثمار والائتمان وتكلفة الدين الحكومى، فى وقت تسعى فيه الدولة للحفاظ على معدلات النمو وجذب التدفقات الأجنبية وتحفيز النشاط الاقتصادى ، لذلك يبدو أن البنك المركزى المصرى يحاول تحقيق توازن شديد الدقة بين احتواء الضغوط التضخمية والحفاظ على استقرار سوق الصرف من جهة، وعدم خنق النشاط الاقتصادى من جهة أخرى.
ومع ذلك، يبقى احتمال الرفع قائماً، لكنه يظل مرتبطاً بحدوث صدمات خارجية كبيرة، مثل موجة جديدة من خروج الأموال الساخنة أو قفزات حادة ومستدامة فى أسعار النفط أو اضطرابات عنيفة فى الأسواق العالمية.
الخلاصة أن العالم ربما يقترب من مرحلة جديدة، لا يكون فيها السؤال فقط : من يرأس الفيدرالى؟، بل كيف ستُدار العلاقة بين السياسة النقدية والجغرافيا السياسية فى عصر أصبحت فيه الحروب والطاقة وسلاسل الإمداد وأسواق المال عوامل يومية ومباشرة فى صناعة القرار النقدى العالمى ، وفى قلب هذه المعادلة يقف كيفين وارش أمام اختبار تاريخى وهو كيف يدعم الاقتصاد الأمريكى دون أن يفقد الفيدرالى أهم ما يملكه .. المصداقية.
محمد عبد العال
خبير مصرفي





