محمد عبد العال يكتب عن .. التعامل الأمثل مع أرباح الأموال الساخنة؟
في تصوري أن فرض أية رسوم أو ضرائب جديدة على تلك الأموال هو إجراء غير مفيد

يتم مؤخراً تداول “منشور” عبر صفحات الفيسبوك يقترح فرض ضريبة إضافية على أرباح الاستثمار الأجنبى غير المباشر “FPI” ، أو الأموال الساخنة ، وذلك عند خروجها قبل مُضى 3 سنوات ، مستوحياً ذلك من تجربة البرازيل.
وفي رأيى أن تطبيق مثل هذا الاقتراح هو نهج قد يعالج عرضاً “الخسارة عند الخروج” ولكنه يتجاهل حتماً الحق القانوني في الخروج ومبرراته ، مما يُهدِّد جاذبية وشفافية البيئة الاستثمارية المصرية بشكل عام.
وفي هذا السياق نلقي الضوء على النقاط التالية:
أولاً– حال افتراضنا أن الدولة يمكن أن تتكبد خسائر مادية أو تتعرض لمخاطر محتملة عند حدوث موجات الخروج المفاجئ ، فإن ذلكً يكون محصلة لقدرة الدولة المُستقبلة على إدارة تدفقاتها المالية وموازنة حساسية جداول فجوات سيولتها النقدية قبل عملية الخروج ذاتها وليس بعدها ، حيث يتعين التحسب لتوقع حدوثها بنسب وآجال وسيناريوهات مختلفة.
إن معاقبة المستثمر بالضريبة عند الخروج لن تجدي أمام البدائل الأخرى الأكثر جدوى وإيجابية ، مثل التركيزعلى تنويع مصادر النقد الأجنبي وخفض عجز الموازنة والدين العام وتشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر ،، وغيرها.
نحن لدينا الآن من الخبرات والكفاءات المتميزة لإدارة مخاطر فجوات سيولة النقد الأجنبي ، خاصة بعد تجربة فجوة النقد الأجنبي التي لازمت صدمة الحرب الروسية الأوكرانية ، كما تم أخذ الاحتياطيات الاحترازية لتجنب تكرارها.
وبمعنى آخر، إن حماية السوق من صدمة الخروج المفاجئ تتم حالياً عبر إدارة الأسباب الاقتصادية الكلية ، ورهنا بمقاييس علمية وليس بفرض قيود على حرية حركة رأس المال ، خاصة في ظل وجود آلية مرنة لإدارة سعر الصرف ، فلا داعي للخوف لأن حركة الأسواق لدينا وفي العالم كفيلة بتحقيق التوازن الأمثل الذي يحقق أعلى قيمة مضافة دون تدخلات مالية أو إدارية .
ثانياً – الاستناد إلى تجربة البرازيل يغفل الاختلاف الجوهري في السياق الاقتصادي لكلتا الدولتين ، البرازيل فى موقف دفاعي يستهدف إبطاء التدفق النقدي ، وفرض الضريبةً كآلية دفاعية للحد من القوة المتسارعة لارتفاع عُملتها “الريال” ، بما يهدد تنافسية صادراتها في الأسواق العالمية ، بينما نحن في مصر الآن في مرحلة نحتاج فيها بشدة إلى جذب العملات الأجنبية من كل المصادر ، وفرض ضرائب جديدة بغرض الحد من منع إو إبطاء خروجها يعني مباشرة قتل الاستثمار غير المباشر في المهد ، وهو ما يتناقض مع حاجة البلد الماسة لزيادة السيولة قصيرة الأجل بالنقد الأجنبي ،، إننا في حاجة لمزيد من التحفيز وليس المنع.
ثالثا – الوتيرة السريعة للأموال الساخنة ، حيث تأتي بسرعة وتخرج حينما تريد بأسرع مما قدمت ، وهذا يُفسر طبيعة الاستثمار قصير الأجل.
حالياً تلك الاستثمارات في أوراق الدين العام الحكومية ذات الآجال القصيرة 3 أشهر إلى سنة تخضع بالفعل لضريبة 20% على الدخل ، فهل يُعقل أن نفكر ، مجرد تفكير ، أن نفرض عليها ضريبة أخرى مانعة لخروجها ، تبدوا عقابية لقدومها لنا؟! ،، فإذا استسلم المستثمرون الحاليون فهل سيكون هناك من يأتى من جديد؟!.
رابعاً – المستثمرون العالميون في FPI يقارنون بين أعلى عائد حقيقي وأقل مخاطرة، ومدى توفر بيئة استثمارية حرة ، بورصة، أوراق دين، سوق نقد مرن ، وهيكل أسعار فائدة جاذب ، وأي قيد على حرية الخروج يمكن أن يرفع درجة المخاطرة أمام المستثمرين لمستويات غير مقبولة عالمياً ، وهناك فرق بين التعامل مع الاستثمار الأجنبي المباشر ، والاستثمار الأجنبي غير المباشر ، حيث يتميز الأخير بالوتيرة السريعة فى اتخاذ القرار الاستثمارى وقبول المخاطر ، وسرعة التحرك والانتقال بين أسواق المال والنقد العالمية ، والمستثمرون يتوجهون إلى البورصة للبيع والشراء في أي وقت وبدون قيد زمني ودون فرض غرامات من أي نوع ، لأن هذا حق أصيل لحركة رأس المال العالمي.
في تصوري أن فرض أية رسوم أو ضرائب جديدة هو إجراء غير مفيد ، ونثق في اطمئنان ووعي المستثمرين بأن مجرد التفكير في إمكانية تطبيقة هو ضرب من الخيال ولن يكون له مجال على أرض الواقع.
محمد عبد العال
خبير مصرفي





