محمد عبد العال يكتب : قراءة تحليلية في عطاءات السوق المفتوحة ونتائج امتصاص السيولة

يبعث البنك المركزي برسالة ضمنية للأسواق مفادها أنه مستمر في إدارة السيولة بحذر شديد

إن خطوة البنك المركزي المصري بسحب 705.118 مليار جنيه عبر آلية السوق المفتوحة، متجاوزة ودائع الأسبوع الماضي التي بلغت نحو 609.74 مليار جنيه، تمثل حدثاً نقدياً يستوجب القراءة المتأنية في توقيته وتداعياته، لاسيما وأنها تأتي على أعتاب اجتماع لجنة السياسة النقدية.

أولاً: ما هي “العملية الرئيسية” لربط السيولة ودورها الأساسي؟

العملية الرئيسية لربط السيولة “Main Operation” هي الأداة الإجرائية الأساسية التي يستخدمها البنك المركزي لإدارة حجم السيولة المحلية الفائضة والمعروضة لدى القطاع المصرفي ، ويتمثل دورها المحوري في:

إدارة أسعار الفائدة قصيرة الأجل: من خلال تحديد سعر العائد على هذه العطاءات، يوجه المركزي أسعار الفائدة بين البنوك “الإنتربنك” لتتطابق أو تقترب للغاية من سعري الإيداع والإقراض لليلة واحدة، وهو ما يُعرف بآلية ممر أسعار الفائدة “Corridor”.

التحكم في المعروض النقدي المتداول: استيعاب السيولة الزائدة المؤقتة لدى البنوك بما يمنع انفلات الكتلة النقدية المتداولة خارج السيطرة المستهدفة لكبح الضغوط التضخمية.

إرسال إشارة واضحة للأسواق بأن السياسة النقدية لا تزال تحافظ على أدواتها الحذرة والمتحفظة تجاه السيولة المتاحة.

ثانياً: تفسير ضخامة المبلغ وتجاوزه للأسبوع الماضي ، هل يمثل الفرق زيادة أو قفزة في المعروض النقدي؟

لتحليل هذا التساؤل بدقة، يجب الفصل بين السيولة المُدارة داخل النظام المصرفي وبين المعروض النقدي الفعلي في الاقتصاد الحقيقي:

طبيعة الفرق الإيجابي “الزيادة” : ارتفاع قيمة العطاءات المسحوبة هذا الأسبوع بمقدار يزيد بنحو 95 مليار جنيه عن الأسبوع الماضي “705.11 مليار مقابل 609.74 مليار” لا يعني حدوث قفزة جديدة في المعروض النقدي M1 أو M2 هذا الفارق لا يمثل نقوداً جديدة طُبعت أو ضُخت في أسواق السلع والخدمات، بل يمثل حركة إعادة توزيع داخلية لفائض السيولة المتوفر لدى البنوك ، فقد يكون ناتجاً عن استحقاقات أذون وسندات حكومية سابقة عادت كسيولة نقدية في حسابات البنوك، أو تحركات موسمية في الودائع بين البنوك المشاركة في العطاء.

إعادة تدوير السيولة الفائضة: تعني أن الأموال المسحوبة موجودة بالفعل داخل النظام المصرفي منذ فترة ، نتيجة ودائع العملاء أو عوائد أدوات دين سابقة ، وكل ما يفعله البنك المركزي هو استخدام آلية “عطاءات السوق المفتوحة” لسحب هذا الفائض وتجميده مؤقتًا لديه مقابل فائدة، لمنع البنوك من استخدام نفس هذه الأموال القائمة في التوسع المفرط بالائتمان. إذن، الفارق الزيادة يعبر عن تركز أكبر للسيولة القائمة لدى البنوك المشاركة في هذا الأسبوع تحديداً، وليس عن خلق نقود جديدة.

الارتباط بتطور السيولة المحلية M2: ترتبط هذه العمليات ارتباطاً وثيقاً بإدارة معدلات نمو السيولة المحلية M2، فالمركزي يستهدف من خلال امتصاص هذه الفوائض كبح النموات غير المبررة في أشباه النقود والودائع، لضمان توافق معدل نمو الكتلة النقدية مع المستهدفات الكلية للتضخم والناتج المحلي.

ثالثاً: التأثيرات المرتقبة على المؤشرات الاقتصادية الكلية:

التأثير على التضخم : التأثير يأتي بصورة غير مباشرة ولكنه وقائي؛ فامتصاص هذه الكتلة الضخمة يمنع استخدامها في توسيع التسهيلات الائتمانية غير الموجهة للاستثمار الإنتاجي، وبالتالي يحد من أي ضغوط تضخمية ناجمة عن فائض الطلب، مانحاً مؤشرات التضخم فرصة الاستقرار والانحسار تدريجياً.

التأثير على سعر الصرف : يساهم هذا النهج الانكماشي الحذر في تعزيز الثقة في الجنيه المصري عبر الحفاظ على جاذبية الأصول المحلية المقومة بالجنيه وتوفير بيئة استقرار نقدي، مما يقلل من حوافز الدولرة ويحمي قيمة العملة الوطنية.

التأثير على سعر الفائدة الحقيقي : مع استمرار استقرار معدلات التضخم العامة وبقاء أسعار الفائدة الاسمية مرتفعة، فإن هذه العمليات تدعم ترسيخ إيجابية “سعر الفائدة الحقيقي”، وهو مطلب أساسي لتشجيع المدخرين على الاحتفاظ بالأوعية الادخارية بالعملة المحلية وحمايتها من التآكل.

رابعاً: الدلالات الاستباقية لاجتماع لجنة السياسة النقدية:

تأتي هذه العملية الضخمة قبل انعقاد لجنة السياسة النقدية لتعكس عدة دلالات هيكلية ، حيث يبعث البنك المركزي برسالة ضمنية للأسواق مفادها أنه مستمر في إدارة السيولة بحذر شديد وأنه لا توجد نية لتخفيف القيود النقدية طالما أن مخاطر التضخم لم تتم محاصرتها بشكل نهائي ومستدام.

في ضوء ذلك، من المرجح في ظل هذه المعطيات أن تميل اللجنة نحو تثبيت أسعار الفائدة عند مستوياتها الحالية، واستمرار إعطاء الفرصة للاستقرار النقدي والمالي لكي يؤتي ثماره، مع الإبقاء على أدوات السوق المفتوحة كذراع تشغيلية مرنة لضبط إيقاع السيولة.

محمد عبد العال

خبير مصرفي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى