دكتورة شيماء وجيه تكتب : استحقاقات الودائع تفسر جانبا مهما من مشهد سحب السيولة المحلية

ارتفاع عروض البنوك يعكس استمرار وفرة السيولة القابلة للتوظيف لكنه لا يعني بالضرورة ضخ أموال جديدة بالحجم نفسه داخل الجهاز المصرفي

تكشف القفزة في قيمة السيولة المحلية التي ربطها البنك المركزي المصري عبر عطاء السوق المفتوحة، لتصل إلى 705.118 مليار جنيه في 27 أكتوبر الجاري ، عن استمرار وجود فوائض مصرفية كبيرة تبحث عن توظيف قصير الأجل بعائد جيد لكن القراءة المصرفية الأكثر دقة لا تقتصر على ضخامة الرقم، بل تنطلق من طبيعة العملية وآجالها، وتوقيت استحقاقات الودائع السابقة، ومدى قدرة البنوك على إعادة توظيف الأموال المتاحة لديها.

استحقاقات الأسبوع السابق تفسر جانبا من القفزة

تتمثل إحدى أهم النقاط التحليلية في أن عملية السوق المفتوحة السابقة، المنفذة في 20 أكتوبر بقيمة 609.740 مليار جنيه، كانت لأجل سبعة أيام، مع استحقاقها في 27 أكتوبر وهو موعد العطاء الجديد وبذلك، فإن عودة الأموال المستحقة إلى البنوك تتيح لها إعادة توظيفها في العملية الجديدة وهو ما يفسر جانبا مهما من استمرار ارتفاع قيمة العطاءات.

وبالمقارنة، ارتفعت قيمة العطاء من 609.740 مليار جنيه إلى 705.118 مليار جنيه، بزيادة تبلغ نحو 95.378 مليار جنيه أو 15.6% خلال أسبوع واحد وهذا يعني أن الزيادة الأسبوعية لا ينبغي تفسيرها باعتبارها سيولة جديدة بالكامل إذ يجب فصل الأموال التي أعادت البنوك ربطها بعد استحقاق العملية السابقة عن أي زيادة إضافية في الأرصدة المتاحة لديها.

ويعزز ذلك أهمية قراءة العطاءات على أساس متتابع، لا باعتبار كل عملية رقما مستقلا فالتغير في القيمة يعكس مزيجا من استحقاقات التوظيفات السابقة، والسيولة المتاحة لدى البنوك، واحتياجاتها التشغيلية، ومدى جاذبية العائد مقارنة بالبدائل الاستثمارية قصيرة الأجل.

اسباب اتجاه البنوك إلى ربط هذه المبالغ لدى المركزي

تستند قرارات البنوك إلى موازنة مستمرة بين العائد والمخاطر والسيولة فعندما تتوافر لديها أرصدة نقدية تتجاوز احتياجات التسويات والمدفوعات والاحتياطيات التشغيلية، يصبح توظيف جزء منها لدى البنك المركزي لمدة قصيرة بعائد ثابت خيارا يسمح بتحقيق عائد معلوم مع وضوح موعد الاستحقاق ، كما تؤثر حركة الودائع والتحويلات والمدفوعات، واستحقاقات الاستثمارات السابقة، وتوقيت الاحتياجات التمويلية للعملاء في حجم الأموال التي تستطيع البنوك عرضها في كل عطاء ولذلك فإن ارتفاع القيمة قد يعكس وفرة فعلية في السيولة القابلة للتوظيف، أو إعادة تدوير مبالغ مستحقة أو اجتماع العاملين معا.

ويظل ثبات العائد عند 19.50% عنصرا مهما في هذه المعادلة لأنه يوفر سعرا مرجعيا واضحا للتوظيف قصير الأجل و لكن تحديد مدى جاذبيته الفعلية يتطلب مقارنته بالعوائد البديلة بعد مراعاة الآجال واحتياجات السيولة والمخاطر.

إدارة فائض السيولة لا تعني بالضرورة تشديدا جديدا في الفائدة

من منظور السياسة النقدية تستهدف عمليات السوق المفتوحة امتصاص فائض السيولة المصرفية والحفاظ على متوسط سعر العائد المرجح لليلة واحدة في سوق المعاملات بين البنوك بالقرب من سعر العملية الرئيسية وبذلك يستطيع البنك المركزي إدارة ظروف السيولة وتعزيز انتقال أثر قرارات الفائدة إلى السوق دون الحاجة إلى تغيير سعر العائد الأساسي مع كل تغير في حجم الأموال المتاحة لدى البنوك ، لكن من الخطأ اعتبار زيادة قيمة العطاء دليلا مستقلا على اتجاه البنك المركزي إلى رفع الفائدة أو الاستنتاج منها وحدها أن التضخم يتزايد بالمقدار نفسه. فالعطاء أداة لإدارة السيولة بينما يتحدد قرار الفائدة وفق تقييم أشمل للتضخم وتوقعاته وسعر الصرف والنشاط الاقتصادي.

كما أن امتصاص السيولة من البنوك لا يعني خروج الأموال نهائيا من النظام المصرفي إذ تربط الودائع لأجل محدد ثم تستحق، وتعود الأموال إلى البنوك وفق شروط العملية وتظل أهمية الأداة في تأثيرها على السيولة المتاحة خلال مدة الربط، وعلى أسعار العائد قصيرة الأجل.

الاختبار الحقيقي هو استدامة الفائض وليس ضخامة عطاء واحد

تحتاج قراءة التطورات المقبلة إلى متابعة ما إذا كانت قيم العطاءات ستظل مرتفعة بعد استيعاب أثر الاستحقاقات الأسبوعية أم ستتراجع مع تغير احتياجات البنوك وإعادة توجيه الأموال إلى الائتمان والاستثمارات الأخرى كما ينبغي مراقبة تطور أسعار التعامل بين البنوك، ومؤشرات الائتمان، واتجاهات التضخم، لتقييم الأثر الفعلي لعمليات السحب على الأوضاع النقدية فإذا استمرت البنوك في تقديم عروض كبيرة على مدى أسابيع متتالية رغم اختلاف مواعيد الاستحقاق فسيكون ذلك مؤشرا أقوى على استمرار وفرة السيولة القابلة للتوظيف أما إذا تراجعت القيم بعد إعادة تدوير الاستحقاقات، فقد يشير ذلك إلى أن جزءا من الارتفاع الأخير ارتبط بتوقيت العمليات وليس بزيادة مستدامة مماثلة في الفوائض المصرفية.

كما يمكن القول أخيرا بأن سحب 705.118 مليار جنيه يعكس قدرة البنك المركزي على استيعاب عروض البنوك وإدارة فائض السيولة، لكن الزيادة الأسبوعية البالغة 95.378 مليار جنيه هي المؤشر الأكثر دلالة عند المقارنة المباشرة مع ضرورة مراعاة استحقاق عملية الأسبوع السابق في اليوم نفسه.

ومن ثم فإن التقييم المصرفي السليم لا ينطلق من ضخامة الرقم وحدها بل من تفكيك مصادره وتتبع استمراريته وقياس أثره على سوق النقد وانتقال السياسة النقدية إلى الاقتصاد الحقيقي.

دكتورة شيماء وجيه

خبيرة مصرفية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى