دكتورة شيماء وجيه تكتب : تثبيت الفائدة السيناريو الأرجح في مصر
ضغوط الجنيه قد تعيد خيار الرفع المحدود الي قائمة الاختيارات

تتجه توقعات السياسة النقدية في مصر إلى ترجيح تثبيت أسعار الفائدة خلال الاجتماع المقبل للجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي، بدلًا من الاتجاه إلى رفع جديد، في ظل توازن دقيق بين الحاجة إلى استمرار احتواء التضخم، والحفاظ على جاذبية الأصول المقومة بالجنيه، وعدم تحميل النشاط الاقتصادي أعباء إضافية من ارتفاع تكلفة التمويل.
غير أن هذا الترجيح لا يعني انتهاء احتمالات التشديد النقدي ، إذ تظل تحركات سعر الصرف، والتطورات الجيوسياسية، ومسار الأسعار العالمية عوامل قادرة على تغيير حسابات اللجنة إذا تحولت إلى ضغوط مستمرة على الأسعار والاستقرار الخارجي.
والفارق هنا أن قرار الفائدة لا يبني على قراءة التضخم في شهر واحد، وإنما على الاتجاه المتوقع للأسعار، ومدى استدامة تراجعها، وتأثير السياسة النقدية السابقة في الطلب المحلي والائتمان وسوق الصرف.
لذلك، فإن التثبيت في هذه المرحلة قد يكون الخيار الأكثر اتزانا، لأنه يمنح البنك المركزي فرصة لتقييم أثر التشديد النقدي القائم قبل اتخاذ قرار جديد قد لا تكون تكلفته الاقتصادية مبررة في الوقت الحالي ، كما أن تراجع التضخم لا يعني زوال المخاطر حيث يمثل تراجع التضخم مؤشرا إيجابيا، لكنه لا يكفي وحده لتبرير خفض أسعار الفائدة.
فالمعيار الأهم هو ما إذا كان التراجع ناتجا عن تحسن مستدام في ديناميكيات الأسعار، أم أنه يرتبط بعوامل مؤقتة أو تأثيرات المقارنة السنوية ، كذلك، فإن انخفاض معدل التضخم يعني تباطؤ وتيرة ارتفاع الأسعار، وليس بالضرورة عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة.
وتزداد أهمية هذا التمييز في الاقتصاد المصري، حيث يمكن لأي ارتفاع جديد في تكلفة الطاقة أو الغذاء المستورد أو النقل أن ينتقل تدريجيا إلى تكاليف الإنتاج وأسعار السلع والخدمات ، كما أن أي تراجع إضافي في قيمة الجنيه قد يرفع تكلفة الواردات ومدخلات الإنتاج، ويضعف أثر التحسن المحقق في التضخم.
ومن ثم، فإن البنك المركزي يحتاج إلى التأكد من أن مسار انخفاض التضخم أصبح أكثر رسوخا قبل الانتقال إلى خفض الفائدة وفي المقابل، فإن رفعها لمجرد وجود مخاطر محتملة، دون تقييم حجمها ومدى انتقالها إلى الأسعار المحلية، قد يؤدي إلى تشديد نقدي أكبر من المطلوب وهذه هي النقطة التي تجعل التثبيت، في تقديري، السيناريو الأكثر اتزانا في الاجتماع المقبل.
سعر الصرف هو العامل الأكثر تأثيرا في حسابات القرار
لا يمكن فصل قرار الفائدة عن تطورات سوق الصرف وتدفقات النقد الأجنبي ، فاستقرار العملة لا يتحدد بسعر الفائدة وحده، لكنه يتأثر أيضا بتوافر موارد النقد الأجنبي، وحركة الاستثمار الأجنبي في أدوات الدين، وحصيلة الصادرات والسياحة وتحويلات المصريين بالخارج، إلى جانب تطورات المخاطر الإقليمية والعالمية.
وفي ظل هذه المعادلة، قد يدعم تثبيت الفائدة استقرار التوقعات إذا ظلت العوائد المحلية جاذبة ولم تتفاقم الضغوط على الجنيه ، أما إذا استمر تراجع العملة بوتيرة تؤدي إلى ارتفاع تكلفة الواردات وتهديد مسار التضخم، فقد يضطر البنك المركزي إلى إعادة تقييم موقفه، ويصبح الرفع المحدود خيارا مطروحا لحماية استقرار الأسعار والحد من الضغوط النقدية.
لكن من المهم التأكيد أن رفع الفائدة ليس علاجا مباشرا لكل ضغوط سوق الصرف ففاعليته تعتمد على أسباب هذه الضغوط وطبيعة التدفقات المالية. وإذا كانت المشكلة مرتبطة بنقص الموارد الدولارية أو ارتفاع فاتورة الاستيراد أو اضطراب التجارة العالمية، فإن المعالجة المستدامة تتطلب أيضا تعزيز مصادر النقد الأجنبي ورفع القدرة التصديرية وتحسين تنافسية الاقتصاد.
لماذا لا يبدو رفع الفائدة الخيار الأول حاليًا؟
إن رفع أسعار الفائدة يحمل تكلفة اقتصادية لا تقل أهمية عن فوائده المحتملة في احتواء التضخم ، فهو يزيد تكلفة الاقتراض على الشركات، وقد يؤجل بعض قرارات الاستثمار والتوسع، ويرفع أعباء التمويل على الأنشطة الإنتاجية، كما يزيد تكلفة خدمة الدين الحكومي وفق هيكل التمويل وآجاله.
وتبرز هذه الاعتبارات بصورة أكبر عندما يحتاج الاقتصاد إلى توسيع الإنتاج وخلق فرص العمل وزيادة الصادرات فالتشديد النقدي المفرط قد يحد من الطلب، لكنه لا يعالج وحده الاختلالات الهيكلية التي تدفع تكاليف الإنتاج أو تزيد الاعتماد على الواردات وفي المقابل، لا يعني ذلك أن خفض الفائدة أصبح مناسبًا بالضرورة ، إذ أن خفضها قبل التأكد من استدامة تراجع التضخم قد يضعف جاذبية الادخار بالجنيه ويزيد الضغوط على سوق الصرف ، ومن هنا يبدو التثبيت بمثابة خيار انتقالي يسمح بالحفاظ على درجة من التشدد النقدي، مع تجنب زيادة غير ضرورية في تكلفة التمويل.
السيناريو المحتمل الذي قد يغير اتجاه السياسة النقدية
يتوقف احتمال الرفع المحدود على مجموعة من المؤشرات المتداخلة، في مقدمتها استمرار تراجع الجنيه، وعودة الضغوط التضخمية، وارتفاع أسعار الطاقة والغذاء عالميًا، وتغير حركة رؤوس الأموال الأجنبية ، فإذا اجتمعت هذه العوامل وأشارت إلى أن التضخم قد يعاود الارتفاع بصورة مستمرة، فقد تصبح كلفة التثبيت أكبر من كلفة التشديد الإضافي.
أما إذا استقرت سوق الصرف، وظلت توقعات التضخم تحت السيطرة، ولم تنتقل المخاطر الخارجية إلى موجة جديدة من ارتفاع الأسعار المحلية، فسيكون التثبيت أكثر اتساقا مع هدف البنك المركزي في الحفاظ على الاستقرار النقدي دون إضعاف النشاط الاقتصادي.
وبالتالي، فإن الاحتمال البديل ليس رفعا واسعا بالضرورة، بل تشديد محدود ومشروط بظهور أدلة واضحة على تصاعد المخاطر فقرار الفائدة ينبغي أن يكون استجابة للبيانات والتوقعات، لا مجرد رد فعل لتحركات قصيرة الأجل.
التحول من إدارة التضخم إلى دعم النمو الحقيقي
على المدى المتوسط، لا يمكن تحقيق استقرار نقدي مستدام بالاعتماد على أسعار الفائدة وحدها. فارتفاع الإنتاج المحلي، وتحسين كفاءة سلاسل الإمداد، وزيادة المكون المحلي في الصناعة، وتوسيع الصادرات، كلها عوامل تقلل الضغوط على النقد الأجنبي وتحد من انتقال الصدمات الخارجية إلى الأسعار ، كما أن التنسيق بين السياسة النقدية والسياسات المالية والإنتاجية يكتسب أهمية خاصة ، إذ ينبغي أن تسهم السياسة النقدية في تثبيت توقعات التضخم، بينما تعمل السياسات الاقتصادية الأخرى على معالجة أسباب ارتفاع التكاليف وتعزيز الاستثمار وتوسيع الطاقة الإنتاجية ، وبهذا يصبح انخفاض التضخم نتيجة لتحسن حقيقي في جانب العرض، وليس فقط نتيجة لتقييد الائتمان والطلب.
وفي هذا السياق، فإن نجاح السياسة النقدية لا يقاس فقط بمستوى الفائدة، وإنما بقدرتها على تثبيت توقعات الأسعار والحفاظ على الاستقرار المالي دون إطالة فترة الضغوط على الاستثمار والإنتاج.
نهاية فإن التثبيت هو المرجح أكثر ، والرفع المحدود يظل احتمالا مشروطا في ضوء المعطيات المتاحة.
أرجح تثبيت أسعار الفائدة في الاجتماع المقبل للجنة السياسة النقدية، لأن استمرار التثبيت يمنح البنك المركزي فرصة لتقييم اتجاه التضخم وسوق الصرف وأثر القرارات السابقة، دون إضافة أعباء جديدة على تكلفة التمويل ومع ذلك، يظل احتمال الرفع المحدود قائما إذا تصاعدت ضغوط الجنيه أو ظهرت مؤشرات على عودة التضخم إلى الارتفاع.
والأهم أن هذا الترجيح ليس التزاما مسبقا بقرار بعينه فالمسار النهائي سيعتمد على البيانات المتاحة وتوازن المخاطر وقت الاجتماع أما الاتجاه إلى خفض الفائدة، فيحتاج إلى ثقة أكبر في استدامة تراجع التضخم واستقرار سوق الصرف.
إن التحدي الحقيقي أمام السياسة النقدية المصرية هو تحقيق معادلة دقيقة و هي احتواء التضخم وحماية الاستقرار النقدي، مع تجنب تشديد يضعف الاستثمار والإنتاج بصورة غير ضرورية ، ومن ثم فإن التثبيت في المرحلة الحالية يبدو الخيار الأكثر اتزانا، بينما يظل الرفع المحدود أداة احتياطية إذا فرضت تطورات الأسعار وسوق الصرف تغييرا في التقدير النقدي.
دكتورة شيماء وجيه
خبيرة مصرفية






