محمد عبد العال يكتب : لماذا يرتفع الدولار رغم تحسن معظم المؤشرات الاقتصادية المصرية؟
السوق لا يسعّر الدولار الذي دخل فقط بل يسعّر أيضًا الدولار الذي سنحتاجه والتكلفة التي سندفعها للحصول عليه

شهدت الأيام الأخيرة تذبذباً ملحوظاً في سعر صرف الجنيه المصري مقابل الدولار، وهو تحرك يعكس تفاعل مجموعة من الأسباب المحلية والعالمية ، في مقدمتها الـ 6 أسباب التالية:
أولاً: تحسّنت الإيرادات، لكن الاحتياجات اتسعت أكثر ، فالحكاية لا تقاس فقط بحجم التدفقات الداخلة، بل بحجم الطلبات المتراكمة والالتزامات ، فالتوترات الجيوسياسية الإقليمية والدولية منذ نهاية فبراير الماضي خلقت حالة واسعة من التحوط السعري وارتفاع الطلب الفوري على النقد الأجنبي من قِبل المستوردين والشركات لتأمين مخزونهم واحتياجاتهم ، في ظل نظام سعر الصرف المرن، حركة السعر صعوداً وهبوطاً تعكس نبض العرض والطلب.
وواجه التحسن في التدفقات ضغطاً ضخماً من سداد التزامات خارجية، وخروج أرباح لمستثمرين أجانب، وتغطية الفجوات الاستيرادية، فضلاً عن تأثير التضخم المستورد وارتفاع تكلفة السلع الاستراتيجية عالمياً.
ويوضح بيان المركزي للسنة المالية 2025/2026 أن التحويلات بلغت 47.3 مليار دولار، والسياحة 18.4 مليارًا، ومع ذلك اتسع عجز الحساب الجاري من 15.4 إلى 22.5 مليار دولار.
هذه أهم إجابة للمفارقة: تحسّن مصادر مهمة لم يمنع اتساع الفجوة بين الإيرادات والمدفوعات الجارية ، فالفائض الكلي لميزان المدفوعات البالغ 2.8 مليار دولار تحقق بمساندة التمويل والاستثمار.
هذه بيانات حتى يونيو تشرح خلفية أحد أهم أسباب ارتفاع الدولار ، نتيجة زيادة الطلب لأغراض الاستيراد، وإن كانت لا تثبت وحدها سبب حركة أكتوبر.
ثانياً: قد يزيد الطلب على الدولار بسبب تعافي الإنتاج نفسه ، فليست زيادة الاستيراد كلها استهلاكًا ، فالسلع الوسيطة مثّلت 55.2% من زيادة الواردات غير البترولية، كما ارتفعت الواردات البترولية إلى 24.9 مليار دولار ، واستمرار عملية الإنتاج يسحب دولارًا الآن، بينما قد يولّد صادرات أو بدائل للاستيراد لاحقًا ، ولذلك يمكن أن يضغط نمو النشاط على العملة مؤقتًا، خصوصًا إذا تأخر العائد الدولاري ، والمهم هو التأكد من أن هذه الواردات تتحول إلى قدرة تقلّل الفجوة مستقبلًا.
ثالثاً: بعض التدفقات المحاسبية ليست دولارات جديدة تدخل السوق ، فعلى سبيل المثال، الاستثمار المباشر البالغ 18 مليار دولار يتضمن 6.2 مليارات أرباحًا معاد استثمارها ، وهذه الأرباح تُسجّل محاسبيًا كدخل للمستثمر الأجنبي ثم إعادة استثمار؛ ولا تعني بذاتها تحويلًا نقديًا جديدًا من الخارج ، وبالمثل، لا يجوز اعتبار كامل مدفوعات دخل الاستثمار خروجًا نقديًا فعليًا، لأنها تتضمن هذا القيد المقابل ، إذن نحتاج إلى تنقية جانبي الدخول والخروج قبل تفسير ضغط الصرف.
رابعاً: السعر يتأثر بتوقيت الطلب والعرض، وبإعادة تسعير المستقبل ، فإذا توقع المستورد ارتفاع التكلفة فقد يقدّم الشراء، وإذا توقع المصدّر ارتفاع الدولار فقد يؤخّر البيع ضمن المتاح له ، وهكذا يزيد الضغط دون زيادة مماثلة في الاحتياجات السنوية.
خامساً: كما يتأثر سعر صرف الجنيه المصري بقوة الدولار ذاته عالميًا ، ففي 12 أكتوبر بلغ الدولار أعلى مستوى له في 18 شهرًا ، وبالتالي يلزم قياس أداء الجنيه أمام سلة عملات لتمييز الضعف المحلي من قوة الدولار.
سادساً: مخاطر ارتفاع الفائدة الأمريكية ، فالخطر لم يعد احتمالًا نظريًا بالكامل. رفع الفيدرالي بالفعل نطاق الفائدة في سبتمبر إلى 3.75 – 4%، بعد بيانات التضخم الأمريكية، ارتفعت توقعات زيادة أخرى، وتنتقل آثار تلك الزيادة إلى الاقتصاد المصري عبر أربع قنوات:
التمويل الخارجي: ترتفع تكلفة القروض متغيرة العائد عند إعادة التسعير، وتكلفة الاقتراض الجديد وإعادة التمويل؛ أما الدين ثابت العائد فلا تتغير فائدته القائمة تلقائيًا.
جاذبية الاستثمار بالجنيه: ارتفاع العائد الدولاري الآمن يرفع العائد الذي يطلبه المستثمر لقبول مخاطر مصر وسعر الصرف.
قوة الدولار: توقع التشديد الأمريكي قد يدعم الدولار قبل صدور القرار نفسه.
مع ارتفاع الفائدة الأمريكية قد تخرج بعض الأموال الساخنة ويبدأ الضغط ، فالمستثمر قد يحتفظ بمركزه، لكنه يقلّل الإضافات الجديدة أو يعيد تقييم التحوط ، عندها يضعف العرض الإضافي للدولار، حتى مع بقاء صافي التدفقات موجبًا ، فنفط مرتفع قد يغذّي التضخم الأمريكي ويطيل التشديد النقدي؛ فتواجه مصر فاتورة استيراد أكبر وشروط تمويل أشد في الوقت نفسه.
والعلامة الفاصلة تتركز في ارتفاع الدولار مع بقاء الإتاحة وسرعة التنفيذ ، ونحمد الله أن الارتفاع المؤقت الحالي لم يصاحبه طلبات غير منفذة أو ضعف في السيولة الدولارية للبنوك.
المسار المستقبلي:
توازن محصلة العوامل السابقة يقوّي ترجيح الضغط على الجنيه، لكنه لا يحدد سرعة الانخفاض أو حجمه ، وهدوء النفط مع انحسار توقعات رفع الفائدة الأمريكية يمكن أن يخفّف الضغط سريعًا، حتى قبل ظهور تحسّن في أرقام التدفقات السنوية.
وفي النهاية أسجل: السوق لا يسعّر الدولار الذي دخل فقط ، بل يسعّر أيضًا الدولار الذي سنحتاجه، والتكلفة التي سندفعها للحصول عليه.
محمد عبد العال
خبير مصرفي






