محمد عبد العال يكتب : المَصْطَبَة الاقْتِصَاديَّة “19”

 أم فوزي تتحدى الـ AI بفزورة!

المكان: مزرعة الحاج رمضان ، طبلية الفطير المشلتت بالجبن المتبل، والجو العام ينبض بالحيوية والضحك.

المشهد: أعضاء المصطبة يجلسون في حلقاتهم المعتادة، فوزي TikTok يحاول تشغيل هاتفه لبث مباشر، وخضرة زعزوعي تتباهى بشنطة سفر قديمة عليها ملصق “بانكوك”.

بدء المشهد : فوزي TikTok بصوت منزعج : يا جماعة التيك توك ده جننني! المتابعين قالبين الدنيا وبيسألوا: هو ليه خضرة زعزوعي رجعت من بانكوك بالسرعة دي؟ هو اجتماع صندوق النقد خلص على فشوش ولا إيه؟.

خضرة زعزوعي تلوح بيديها بعصبية وهي ترتدي نظارة شمسية وسط الغيط: اسكت يا فوزي يا ابن أختي وفضحتي في المطار! قال صندوق النقد والبنك الدولي قال! إحنا روحنا بانكوك عشان نغطي اجتماعات الخريف زي ما أستاذنا أبو أحمد علمنا، لقينا التوك توك هناك أسرع من مركباتهم، والبطيخ عندهم مسكر بس مش زي بطيخ بلادنا، فرجعت بكرامتي أحسن ما أضيع ميزانية المصطبة على الفاضي!.

الحاج رضوان يضحك وهو يمرر سبحته: حمد لله على السلامة يا ست خضرة .. أحسن لكِ، قعدتك على المصطبة جنب طبلية الفطير تسوى استثمارات العالم كله!.

أم فوزي تبتسم ابتسامة خبيثة وتعدل جلستها: قولي لنفسك يا خضرة.. وانتي فاكرة الشغلانة دي بالسهولة دي؟ ده أنا من ساعة ما سافرتي وأنا قاعد أتمرن على “التكنولوجيا الحديثة” وفتحت تليفون عبقرينو الـ AI عشان أشوف آخره إيه.. والنهارده أنا جايّة ومعايا “فزورة” عالمية اتحداه فيها، ولو حلها.. هعزم المصطبة كلها على بط ومحشي!.

فوزي TikTok يتحمس ويوجه الكاميرا لأم فوزي: يا سلام! تحدي بين أم فوزي والذكاء الاصطناعي على الهواء! اتفضل يا عبقرينو، اسمع الفزورة ورد بسرعة!.

صوت عبقرينو AI يخرج بصوته الواثق من الهاتف: أهلاً يا أم فوزي.. أنا جاهز لأي سؤال منطقي أو رياضي أو اقتصادي.. تفضلي اطرحي الفزورة!.

أم فوزي ترفع إصبعها باعتداد وتتحدى: اسمع يا سي عبقرينو يا أبو عقول إلكترونية.. “مين اللي عَبر البحر.. من غير ما يُبُلّ؟!”.. يلا ورينا شطارتك!.

صوت صمت قصير في المصطبة.. فوزي ينظر للهاتف بترقب، وعبقرينو يصدر صوت معالجة بيانات خفيف وصوت طقطقة أجهزة: بيب… بيز… تِك تِك تِك.

صوت عبقرينو AI بنبرة ارتباك رقمي وسريعة : جارٍ مسح وسبر أغوار قواعد البيانات… تم استعراض خمسة مليون موقع إلكتروني، وكتب تاريخ، وخرائط بحرية… لم يتم العثور على كائن بشري أو حيواني يعبر مياه المحيطات والبحار دون ملامسة السوائل! هل المقصود غواصة نووية؟ أم كبسولة فضائية سقطت في المحيط؟ الرجاء توضيح الإحداثيات!.

أم فوزي تضحك وتصفق بيديها بغرور فكاهي: هييييه! سقط في الفزورة! سقط التكنولوجيا بعد ما دور في خمسة مليون موقع! لا غواصة ولا كبسولة يا سي عبقرينو.. الحل أبسط بكتير، ده “العجل في بطن أمه”! بيعبر البحر مع أمه من غير ما يبل تكة شعر من جسمه! غطّي وشك بالملاءة يا عبقرينو!.

خضرة زعزوعي تصفق بسخرية واستمتاع: الله عليكِ يا أم فوزي! غلبتي الكمبيوتر وسنينه! أومال عمال تتباهى علينا بمعلومات بانكوك وواشنطن وفي الآخر غلبتك ست بيت أصيلة حلّت فزورة جدودنا!.

الحاج رمضان يضرب بعصاه على الأرض ضاحكاً:عفارم عليكِ يا أم فوزي! طلعتِ أذكى من التكنولوجيا اللي هتدمرنا! خمسة مليون موقع وعجز قدام فزورة ست الحبايب!.

الخبير أبو أحمد يبتسم ويضع كوب الشاي، ثم يشير للجميع بالهدوء: والله يا أم فوزي ما دمرتِ تكنولوجيا العصر لوحدك، ده إنتي ضربتي أعتى نظرية اقتصادية في مقتل! وعلى فكرة، عجز عبقرينو عن حلها يفتح باباً لأكبر “فزورة اقتصادية” بيمر بيها سوق المال!.

الجميع ينظرون لأبو أحمد بفضول: فزورة اقتصادية كمان يا أبا أحمد؟! إزاي؟!.

الخبير أبو أحمد: طبعاً! لما أم فوزي تسأل “مين بيعبر البحر من غير ما يُبُل؟”.. الإجابة الاقتصادية الفورية والذكية هي: “رأس المال الساخن Hot Money أو المضارب المالي الهارب!.

حمادة دليفري يحك رأسه بفضول: وضح لنا يا أبا أحمد.. يعني إيه رأسمال ساخن بيعدي البحر ناشف زي العجل في بطن أمه؟.

الخبير أبو أحمد: يا حمادة، ده المستثمر أو الصندوق الأجنبي اللي بيجي بلدنا وقت ارتفاع الفائدة، يحط فلوسه في أذون وسندات الخزانة وياخد عوائد خيالية، وهو قاعد حاطط رجل على رجل، وأول ما تحس الأسواق بأي هزة أو تخارج عالمي، تلاقيه فجأة “عبر البحر وهرب بفلوسه بالكامل” في ثواني معدودة عبر الأزرار الإلكترونية.. من غير ما يُبلّ إيده في طين الشغل، ولا يبني مصنع، ولا يشغل شاب، ولا ينتج كيلو طحينة واحد زي مصنع حسونة! بيلم أرباحه ويمشي على الناشف!.

الحاج رضوان يضرب كفاً بكف ويهز رأسه: يا سلام عليك يا أبا أحمد! والله دي مش فزورة عادية.. دي قراءة اقتصادية بليغة في حكاية السوق! يعني فلوس جاية تلعب وتجري من غير أصل ولا تثمير حقيقي في تراب البلد!.

أم فوزي تتسع عيناها بدهشة: يعني أنا جيت أكحلها عميتها! طلع قصدي على الناس اللي بتيجي تاخد التمر وتجري من غير ما تزرع نخلة! طب مادام كده، ليه بندخل الفلوس دي أساساً من بانكوك وغيرها؟.

الخبير أبو أحمد: سؤال ممتاز يا أم فوزي.. الفلوس دي مطلوبة أحياناً لضبط السيولة وسد الفجوات المؤقتة، لكن الخطر لما الاقتصاد يعتمد عليها لوحدها وتكون هي البطل الأوحد ، عشان كده، الدولة اليوم بتتحول بذكاء لـ “الاستثمار الحقيقي المنتج” زي صندوق المصانع المتعثرة.. استثمار بيدخل جوه الميه، بيتحمل الصعاب، ويبني أصول حقيقية، مش طائر مهاجر بيطير أول ما تنقط!.

خضرة زعزوعي تخلع نظارة الشمس وتعدل طرحتها: تصدقي يا أم فوزي؟ عشان كده لما سافرت بانكوك لقيتهم بيجروا ورا الاستثمار اللي بيزرع في الأرض مش اللي بيعدي في الهوا! خلاص.. أنا توبت عن السفر، وملعبنا هنا على المصطبة جنب أبو أحمد وفزورة أم فوزي هو اللي بيجيب من الآخر!.

فوزي TikTok يوجه الكاميرا لنفسه بابتسامة واسعة وهواتف المتابعين تشتعل بالتعليقات: سمعتوا يا جماعة؟ عبقرينو لف على خمسة مليون موقع واتسحل، لكن أم فوزي جابتها من الآخر، وأبو أحمد ربطها برأس المال الساخن اللي بيعدي البحر ناشف! ما تنسوش اللايك والشير وتابعونا من مزرعة الحاج رمضان!.

صوت ضحكات صاخبة، وصوت أم فوزي وهي تلوح بقطعة فطير قائلة: “خلاص يا عم الحاج، طالما عبقرينو اتهزم، ومواقع الإنترنت كلها التزمت الصمت، البط المحشي عليا النهاردة للمصطبة كلها!”.

محمد عبد العال

خبير مصرفي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى