دكتورة شيماء وجيه تكتب : تثبيت تصنيف مصر الائتماني اختبار يعيد الثقة في الاقتصاد 

ويؤكد قدرته على تحويل الاستقرار إلى نمو مستدام

يعكس تثبيت وكالة فيتش للتصنيف الائتماني لمصر عند مستوى B مع وجود نظرة مستقبلية مستقرة قراءة متوازنة لوضع الاقتصاد المصري ، تقوم على الاعتراف بقدرته على التكيف مع الصدمات الخارجية والحفاظ على قدر من الاستقرار المالي والنقدي، في مقابل استمرار الضغوط الهيكلية المرتبطة بالدين العام واحتياجات التمويل الخارجي.

فالتصنيف هنا لا يمثل شهادة بانتهاء المخاطر، بقدر ما يعكس تقديرا لقدرة الاقتصاد على إدارة هذه المخاطر دون حدوث تدهور جوهري في قدرته على الوفاء بالتزاماته.

وتنبع أهمية هذا التقييم من أن الأسواق الدولية لا تنظر إلى حجم الاقتصاد أو معدلات نموه بمعزل عن جودة موارده المالية، وإنما تقيس كذلك قدرته على توليد النقد الأجنبي، وتغطية الالتزامات الخارجية، والحفاظ على استقرار السياسات الاقتصادية. ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي أمام مصر لا يتمثل فقط في الحفاظ على التصنيف الحالي، بل في بناء مقومات اقتصادية ومالية تسمح بتحسينه تدريجيا عبر معالجة الاختلالات الهيكلية التي ما زالت تحد من قدرة الاقتصاد على جذب التمويل بشروط أفضل.

مرونة الاقتصاد تمثل قوة في مواجهة الصدمات وليست بديلا عن الإصلاح

تؤكد قدرة الاقتصاد المصري على مواصلة النمو رغم التقلبات الإقليمية والدولية أن قاعدة النشاط الاقتصادي تمتلك قدرا من المرونة، مدعومة بالسياحة والصناعات التصديرية والاستهلاك المحلي ، وتكتسب هذه المرونة أهمية خاصة في ظل تعرض الاقتصادات الناشئة لتغيرات سريعة في اتجاهات رؤوس الأموال وأسعار الطاقة وتكلفة التمويل.

لكن القراءة الاقتصادية الأعمق تقتضي التمييز بين النمو الذي يدعم النشاط في الأجل القصير والنمو الذي يعيد تشكيل القدرة الإنتاجية للاقتصاد في الأجل الطويل ، فزيادة الطلب المحلي، على أهميتها في تحريك الأسواق، قد تتحول إلى ضغط إضافي على الواردات إذا لم تقابلها زيادة في الإنتاج المحلي والقدرة التنافسية للصادرات.

لذلك، فإن استدامة النمو تتطلب توسيع القاعدة الإنتاجية، وتعميق المكون المحلي في الصناعة، ورفع إنتاجية القطاعات القادرة على التصدير، إلى جانب تعزيز مساهمة القطاع الخاص في الاستثمار والتشغيل فكلما ارتبط النمو بزيادة الإنتاج والقيمة المضافة المحلية، أصبح أقل اعتمادا على التدفقات المالية الخارجية وأكثر قدرة على امتصاص الصدمات.

الاحتياطيات الأجنبية تحسن قدرة الاقتصاد المصري علي مواجهة التحديات الراهنة

يمثل تحسن الاحتياطيات الدولية وصافي الأصول الأجنبية مؤشرًا مهمًا على تطور قدرة الاقتصاد المصري على التعامل مع الالتزامات الخارجية والتقلبات في أسواق الصرف ، كما يمنح توافر السيولة الأجنبية مساحة أكبر لإدارة الاحتياجات التمويلية وتخفيف حدة الضغوط التي قد تنتج عن خروج الاستثمارات أو ارتفاع تكلفة الواردات.

غير أن التقييم الاقتصادي السليم لهذه المؤشرات لا يقتصر على حجم الأصول الأجنبية المتاحة، بل يمتد إلى مصادر تكوينها ومدى استدامتها ، فهناك فارق جوهري بين موارد تتولد من صادرات السلع والخدمات وتحويلات العاملين بالخارج والاستثمارات الإنتاجية، وموارد ترتبط بالاقتراض أو بتدفقات استثمارية قابلة للخروج السريع عند تغير الظروف الدولية.

ومن هنا، فإن قوة المركز الخارجي لا تقاس بالاحتياطيات وحدها، وإنما بقدرة الاقتصاد على توليد تدفقات منتظمة من النقد الأجنبي، تكفي لتغطية احتياجاته التمويلية دون الاعتماد المتزايد على الاقتراض وتظل السياحة والصادرات الصناعية والخدمية وتحويلات المصريين بالخارج من أهم روافد هذه القدرة، مع ضرورة توسيع القاعدة التصديرية وتقليل الاعتماد على الواردات التي يمكن إنتاج بدائل تنافسية لها محليا

مرونة سعر الصرف و تعزيز المصداقية يتطلب استكمال الإصلاح

مثلت التطورات التي شهدتها أسواق الصرف تحت تأثير التوترات الإقليمية اختبارا لقدرة الاقتصاد المصري على التعامل مع خروج الاستثمارات الأجنبية من أدوات الدين الحكومية.

وتبرز أهمية هذه التجربة في أن مرونة سعر الصرف تسمح باستيعاب جانب من الصدمات عبر تغير السعر، بدلا من تراكم الاختلالات في صورة نقص في العملات الأجنبية أو قيود على تدبيرها وتحويلها ، وتعزز هذه المرونة مصداقية السياسة النقدية عندما تعمل ضمن إطار واضح ومتسق، وتتيح للمستثمرين تقييم المخاطر على أساس آليات السوق ، لكنها لا تعني غياب التقلبات، كما أنها لا تكفي وحدها لتحقيق الاستقرار إذا استمرت الضغوط الناتجة عن ارتفاع فاتورة الواردات وضعف الموارد الدولارية الذاتية.

وتكمن الأولوية في المرحلة المقبلة في ترسيخ سوق صرف أكثر كفاءة، مع تنمية موارد النقد الأجنبي من الأنشطة الإنتاجية والتصديرية، وتجنب السياسات التي تؤدي إلى تأجيل الاختلالات بدلا من معالجتها. فاستقرار العملة على المدى الطويل هو نتيجة لتوازن الموارد والاستخدامات الخارجية، وليس مجرد مستوى معين لسعر الصرف.

الدين العام هو الحلقة الأكثر تأثيرا في تقييم المخاطر الاقتصادية

تظل أعباء الدين وخدمة الدين من أبرز القيود التي تواجه المالية العامة المصرية، لأنها تحد من المساحة المتاحة لتوجيه الإنفاق نحو الاستثمار المنتج والخدمات الأساسية، وتزيد حساسية الموازنة لأي تغير في أسعار الفائدة أو تكلفة التمويل وتتجاوز المشكلة حجم الدين في حد ذاته إلى تكلفة خدمته، وهيكل آجاله، ومدى قدرة الإيرادات العامة على تغطية الالتزامات المتزايدة دون الضغط على الإنفاق الضروري للنمو ، فكلما ارتفعت حصة الموارد الموجهة إلى خدمة الدين، تراجعت قدرة الدولة على توسيع الإنفاق التنموي وتحسين البنية الأساسية والخدمات التي ترفع إنتاجية الاقتصاد.

ومن هذا المنطلق، فإن تحقيق فوائض أولية في الموازنة يمثل عنصرا مهما في ضبط مسار الدين، لكنه يحتاج إلى مسار متكامل يشمل تحسين كفاءة التحصيل الضريبي، وتوسيع القاعدة الضريبية، وترشيد الإنفاق، وإدارة الالتزامات التمويلية بكفاءة ، كما أن إطالة آجال الدين وخفض الاعتماد على التمويل مرتفع التكلفة يمكن أن يسهما في تقليل الضغوط على الموازنة، بشرط ألا يتحول الاقتراض إلى بديل عن الإصلاح المالي والإنتاجي والأهم أن استدامة المالية العامة لا ينبغي أن تقوم على تقليص الإنفاق الاستثماري الضروري بصورة تضعف النمو المستقبلي، وإنما على تحسين نوعية الإنفاق وتعظيم العائد الاقتصادي منه، بما يوسع القاعدة الإنتاجية والإيرادية التي تستند إليها الدولة في الوفاء بالتزاماتها.

التضخم والطاقة وانتقال الصدمات الخارجية إلى الداخل

تكشف الضغوط المرتبطة بارتفاع أسعار الطاقة والسلع الأساسية عن استمرار تعرض الاقتصاد المصري للتضخم المستورد، خصوصا عندما تتزامن زيادة تكاليف الاستيراد مع تغيرات سعر الصرف وارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل وتفرض هذه التطورات معادلة دقيقة على السياسة النقدية ، إذ أن الحفاظ على أسعار فائدة حقيقية موجبة يساعد على احتواء الضغوط التضخمية ودعم جاذبية الأصول المحلية، لكنه قد يرفع في الوقت نفسه تكلفة التمويل على الشركات والأنشطة الاقتصادية.

ومن ثم، فإن نجاح السياسة النقدية لا يتوقف على تشديد الأوضاع المالية وحده، بل يرتبط أيضا بمدى استجابة جانب العرض وقدرة الأسواق على استيعاب الصدمات دون انتقالها بصورة مستمرة إلى الأسعار ، ويظل خفض التضخم بصورة مستدامة مرهونا بتنسيق السياسات النقدية والمالية والإنتاجية، وتحسين كفاءة سلاسل الإمداد، وزيادة المعروض المحلي من السلع، وتقليل الاختناقات التي ترفع التكلفة النهائية. فاستقرار الأسعار لا يحمي القوة الشرائية للأسر فقط، بل يهيئ كذلك بيئة أكثر وضوحا أمام المستثمرين ويساعد الشركات على التخطيط طويل الأجل.

دعم الشركاء الدوليين يمثل فرصة لتعزيز الثقة لا بديل عن الموارد الذاتية

يمثل استمرار دعم المؤسسات المالية الدولية والشركاء الخارجيين عاملا مهما في تعزيز قدرة مصر على إدارة احتياجاتها التمويلية، كما يسهم في دعم الثقة في استمرارية السياسات الاقتصادية وتزداد أهمية هذا الدعم في فترات ارتفاع المخاطر الجيوسياسية أو تشدد الأوضاع المالية العالمية، عندما تصبح تكلفة التمويل وتوافره أكثر تأثرا بتغيرات الأسواق.

ومع ذلك، فإن القيمة الاقتصادية الحقيقية لهذا الدعم تتوقف على كيفية توظيفه في تقوية قدرة الاقتصاد على الاعتماد على موارده الذاتية. فالمساندة الخارجية يمكن أن توفر مساحة زمنية لاستكمال الإصلاحات، لكنها لا تعالج وحدها الاختلالات المتعلقة بضعف الصادرات أو ارتفاع أعباء الدين أو اتساع الاحتياجات التمويلية.

كما أن انتهاء البرامج القائمة مع صندوق النقد الدولي لا يعني بالضرورة حدوث تحول تلقائي في السياسات الاقتصادية، لكنه يرفع أهمية بناء سجل واضح من الانضباط المالي والنقدي، والشفافية، وتحقيق نتائج قابلة للقياس في الإصلاحات الهيكلية فاستدامة الثقة الدولية ترتبط بقدرة الاقتصاد على مواصلة الإصلاح وتحقيق مستهدفاته، وليس بمجرد استمرار الاتفاقات التمويلية.

تحسين التصنيف يبدأ من تغيير مصادر النمو والتمويل

إن الطريق نحو تصنيف ائتماني أفضل لا يمر عبر زيادة الاحتياطيات أو جذب تدفقات مالية مؤقتة فحسب، بل عبر تحسين مجموعة مترابطة من المؤشرات، تشمل استدامة الدين، وقوة الإيرادات العامة، وكفاءة تخصيص الاستثمار، والقدرة على توليد النقد الأجنبي، واستقرار السياسات الاقتصادية.

ويتطلب ذلك توجيه الاستثمار إلى القطاعات القادرة على زيادة الصادرات وإحلال الواردات بصورة اقتصادية، مع تعزيز الصناعة والخدمات القابلة للتداول، وتهيئة بيئة أعمال أكثر استقرارًا ووضوحًا أمام المستثمرين المحليين والأجانب ، كما تظل المنافسة العادلة وتكافؤ الفرص ورفع كفاءة المؤسسات من العناصر المهمة لتوسيع الاستثمار الخاص وتحويله إلى طاقة إنتاجية وفرص عمل مستدامة ، ولا يقل أهمية عن ذلك تحسين جودة النمو نفسه فالنمو الأكثر قدرة على دعم التصنيف الائتماني هو الذي يرفع الإنتاجية ويزيد دخول العاملين ويوسع الإيرادات العامة بصورة مستدامة، من دون أن يؤدي إلى تراكم التزامات مالية أو خارجية تفوق قدرة الاقتصاد على تحملها.

التحول من إدارة المخاطر إلى بناء قدرة اقتصادية مستدامة

يعكس تثبيت “فيتش” تصنيف مصر عند مستوى B مع نظرة مستقبلية مستقرة توازنا بين مقومات الصمود الاقتصادي ومواطن الضعف التي لا تزال قائمة.

فمرونة النشاط الاقتصادي، وتحسن المؤشرات الخارجية، واستمرار الدعم الدولي عوامل كلها تساعد على احتواء المخاطر، لكنها لا تكفي وحدها لضمان تحسن مستدام في الجدارة الائتمانية.

وتتمثل الأولوية الاقتصادية في الانتقال من إدارة الضغوط التمويلية إلى معالجة أسبابها، عبر تخفيف عبء الدين، وتوسيع القاعدة الإنتاجية والتصديرية، وتعزيز قدرة الاقتصاد على توليد النقد الأجنبي، وتحسين كفاءة الإنفاق العام وعندها يصبح الاستقرار المالي نتيجة لقوة الاقتصاد الحقيقي، وليس مجرد انعكاس لتوافر التمويل.

فالتصنيف الائتماني في جوهره ليس غاية مستقلة، وإنما مؤشر على قدرة الاقتصاد على تحويل النمو إلى موارد مستدامة، وتحويل الإصلاحات إلى نتائج ملموسة، وبناء ثقة تستند إلى أساس إنتاجي ومالي قادر على الصمود أمام التقلبات المحلية والعالمية.

دكتورة شيماء وجيه

خبيرة مصرفية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى