دكتورة شيماء وجيه تكتب : البنك المركزي يقود تحولًا في التعامل مع ملف التعثر الصناعي

إعادة توظيف الأصول واستعادة قوة الإنتاج الصناعي والانتقال من معالجة التعثر إلى إعادة بناء القدرة الإنتاجية

يمثل إطلاق صندوق إعادة هيكلة المصانع المتعثرة برأسمال إجمالي يبلغ مليار جنيه تحولًا في التعامل مع ملف التعثر الصناعي ، لأنه يضع إعادة تشغيل الأصول والطاقات الإنتاجية القائمة في قلب المعالجة، بدلًا من الاقتصار على معالجة المديونيات أو توفير تمويل قصير الأجل ويستهدف الصندوق المشاركة في رؤوس أموال المنشآت الصناعية المتعثرة ذات المقومات التشغيلية الواعدة، والعمل على إعادة هيكلتها بما يدعم استعادة كفاءتها وقدرتها على النمو والاستدامة.

رأس المال كأداة لإعادة تشغيل المصانع

القيمة الاقتصادية للصندوق لا تكمن فقط في حجم رأسماله، وإنما في طبيعة استخدامه فالمشاركة في رؤوس أموال المصانع القابلة للتعافي تتيح معالجة أحد أهم أسباب التعثر، وهو اختلال هيكل التمويل، وتوفر للمنشآت مساحة لإعادة ترتيب أوضاعها المالية واستعادة قدرتها على التشغيل والاستثمار وهنا يتحول التمويل من مجرد مصدر للسيولة إلى أداة لإعادة بناء النشاط الإنتاجي، خصوصًا عندما يقترن بضخ رؤوس أموال جديدة وإعادة هيكلة القروض ورفع الكفاءة التشغيلية.

إعادة هيكلة القروض تمثل في تخفيف الضغط المالي عن القطاع الصناعي

جزء أساسي من استراتيجية الصندوق يقوم على إعادة هيكلة القروض بالتوازي مع إعادة هيكلة النشاط نفسه، بما يسمح بفصل التعثر المالي عن القدرة الاقتصادية للمصنع فالمنشأة التي تمتلك أصولًا وخطوط إنتاج وأسواقا قابلة للنمو قد تكون مشكلتها الأساسية في هيكل المديونية أو نقص رأس المال العامل، وليس في غياب الجدوى الاقتصادية ومن هنا تصبح إعادة ترتيب الالتزامات المالية خطوة ضرورية حتى تستطيع المنشأة توجيه مواردها إلى التشغيل والإنتاج بدلًا من استنزافها في معالجة الاختناقات المالية.

الأصول الإنتاجية تمثل ثروة اقتصادية وقيمة مضافة 

إعادة تشغيل مصنع قائم تعني الاستفادة من استثمارات وأصول تم إنشاؤها بالفعل، بما فيها الأراضي والمباني والآلات والخبرات البشرية وشبكات الموردين ولهذا فإن إعادة تأهيل مصنع قابل للاستمرار قد تحقق للاقتصاد عائدًا أسرع من ترك هذه الأصول خارج دائرة الإنتاج و الفكرة الأساسية هنا هي إعادة تدوير رأس المال الصناعي وتحويل الأصول غير المستغلة إلى إنتاج وقيمة مضافة وتدفقات نقدية جديدة.

القطاع المصرفي يتحرك من إدارة التعثر إلى تمويل التعافي

يمثل دخول القطاع المصرفي في هذه المنظومة عنصرا مهما إذ يشارك في توفير الحلول التمويلية وإعادة ترتيب أوضاع المنشآت الصناعية، بما يتجاوز النموذج التقليدي الذي يركز على إدارة القروض المتعثرة بعد وقوع المشكلة.

وتشير البيانات المنشورة إلى مشاركة عدد من البنوك في الصندوق إلى جانب اتحاد الصناعات وشركة سي آي كابيتال التي تتولى إدارة الصندوق، بما يعكس طبيعة النموذج القائم على التعاون بين القطاع المصرفي والاستثمار والقطاع الصناعي.

الحوكمة ورفع الكفاءة يمثلان الضمان الحقيقي لاستدامة التعافي

تتضمن استراتيجية الصندوق رفع الكفاءة التشغيلية وتعزيز أطر الحوكمة بالتعاون مع الإدارات التنفيذية للمنشآت المستفيدة وهذا يعني أن إعادة الهيكلة تستهدف المركز المالي ونموذج التشغيل والإدارة في الوقت نفسه فالهدف ليس فقط إعادة فتح خطوط الإنتاج وإنما ضمان قدرة المصنع على الاستمرار وتحقيق تدفقات نقدية مستقرة بعد انتهاء مرحلة إعادة الهيكلة

منظومة دعم المصنعين هي البوابة الجديدة لتوجيه التمويل

ربط الاستفادة من الصندوق بمنظومة دعم المصنعين التي أطلقتها وزارة الصناعة يوفر إطارا أكثر تنظيمًا لتقييم المصانع المتقدمة للحصول على التمويل و هذا مهم اقتصاديا لأن كفاءة الصندوق ستعتمد بدرجة كبيرة على جودة اختيار الحالات المستهدفة بحيث يتم توجيه رأس المال إلى المنشآت التي تمتلك مقومات حقيقية للعودة إلى الإنتاج والنمو.

تعميق الصناعة المحلية عبر استعادة سلاسل التوريد

عودة المصانع المتعثرة إلى العمل لا تعني فقط زيادة إنتاج منشأة واحدة، وإنما يمكن أن تمتد آثارها إلى الموردين ومصنعي مستلزمات الإنتاج والنقل والخدمات اللوجستية والطاقة والخدمات المالية وبالتالي فإن إعادة تشغيل مصنع واحد قد تعيد تنشيط أجزاء متعددة من سلسلة القيمة، بما يدعم تعميق التصنيع المحلي وتقليل الاختناقات في سلاسل الإمداد.

تعميق الإنتاج والعمالة والتنافسية يعزز الأثر الاقتصادي

استعادة الطاقات الإنتاجية غير المستغلة تخلق أثرا مزدوجا فهي تدعم زيادة الإنتاج من ناحية، وتحافظ على فرص العمل وتتيح خلق وظائف جديدة من ناحية أخرى ، كما أن رفع كفاءة المصانع وتحسين قدرتها على الإنتاج يمكن أن يعزز تنافسية المنتج المصري، ويفتح مساحة أكبر أمام التوسع في الأسواق المحلية والتصديرية وهكذا تنتقل إعادة الهيكلة من كونها معالجة لمشكلة مالية إلى سياسة لدعم الإنتاج والتشغيل والتنافسية.

المعيار الاقتصادي هو تحقيق القيمة المضافة

الأهمية الحقيقية للصندوق ستظهر في قدرته على تحويل رأس المال إلى نتائج إنتاجية قابلة للقياس وتتمثل المؤشرات الأهم في ارتفاع الطاقة الإنتاجية المستغلة، وتحسن الإنتاجية، ونمو المبيعات، واستعادة التدفقات النقدية، والحفاظ على العمالة، وزيادة المكون المحلي، وتحسين القدرة على التصدير، وانتظام سداد الالتزامات.

وبالتالي فإن تقييم التجربة ينبغي أن ينتقل من حجم التمويل وعدد المصانع المستفيدة إلى حجم الإنتاج والقيمة المضافة التي عادت إلى الاقتصاد.

التحول من إنقاذ المصانع إلى إعادة بناء القاعدة الصناعية

الأبعاد الاقتصادية للصندوق تتجاوز معالجة حالات التعثر الفردية فهي ترتبط بإعادة توظيف أصول قائمة، واستعادة طاقات إنتاجية غير مستغلة، ودعم سلاسل التوريد المحلية، وتعزيز التمويل الصناعي، والحفاظ على العمالة، ورفع كفاءة القطاع الصناعي.

ومن هذه الزاوية يصبح الصندوق جزءا من منظومة أوسع لإعادة بناء القدرة الإنتاجية، وليس مجرد آلية لتمويل منشآت متعثرة فالهدف الاقتصادي النهائي ليس فقط إعادة هيكلة المصنع المتعثر وإنما إعادة إدخال أصوله وعمالته وقدراته الإنتاجية إلى دورة الاقتصاد بما يحول التعثر من عبء على النشاط الصناعي إلى فرصة لاستعادة الإنتاج وتعظيم القيمة المضافة ودعم النمو المستدام.

دكتورة شيماء وجيه 

خبيرة مصرفية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى