دكتورة شيماء وجيه تكتب: المركزي المصري يوازن بين استهداف خفض التضخم ودعم النمو

تثبيت الفائدة يرسخ مسار الاستقرار النقدي و البنك 

تدخل لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري اجتماعها يوم الخميس المقبل في مرحلة أكثر تعقيدا من مجرد المفاضلة بين خفض أسعار الفائدة أو الإبقاء عليها ، فالمشهد الاقتصادي أصبح يتطلب موازنة دقيقة بين استكمال مسار خفض التضخم، والحفاظ على جاذبية الجنيه والأصول المحلية، ودعم النشاط الاقتصادي والاستثمار، دون السماح بعودة الضغوط السعرية.

وتكمن أهمية المرحلة الحالية في أن الاقتصاد المصري قطع شوطا مهما في دورة التشديد النقدي، بينما لا تزال معدلات التضخم أعلى من المستوى المستهدف، كما أن البيئة الخارجية أصبحت أكثر تقلبا بفعل التطورات الجيوسياسية وأسعار الطاقة وسلوك البنوك المركزية الكبرى ولذلك فإن تثبيت أسعار الفائدة في المرحلة الحالية يمثل أداة لإدارة التوازنات النقدية والحفاظ على مكتسبات الاستقرار، وليس توقفا عن مسار التيسير النقدي.

فرغم التراجع التدريجي في التضخم فإن الصورة تحتاج إلى قراءة أكثر عمقا من مجرد انخفاض الرقم السنوي ، فقد سجل التضخم العام 14.5% في أغسطس 2026، بينما بلغ التضخم الأساسي 14.9% ، وهنا تظهر نقطة مهمة في تقييم السياسة النقدية ، و هي ان الانخفاض في التضخم العام الحالي يمثل تطورا إيجابيا، لكنه لا يعني بالضرورة أن الضغوط التضخمية أصبحت منتهية.

فارتفاع التضخم الأساسي يشير إلى أن جزءًا من الضغوط لا يزال موجودًا داخل مكونات الأسعار الأكثر استدامة، وهو ما يجعل البنك المركزي أكثر حرصًا في إدارة توقيت دورة التيسير النقدي.

وبالتالي، فإن معيار النجاح في المرحلة المقبلة لن يكون فقط انخفاض التضخم، وإنما استمرار انخفاضه بصورة متماسكة ومستدامة، مع تحسن توقعات التضخم واستقرار الأسواق المالية وسوق الصرف.

فالفائدة الحقيقية تظل عنصرًا حاسمًا في المعادلة النقدية و تظهر مستويات أسعار الفائدة الحالية أن السياسة النقدية لا تزال ذات طابع تقييدي؛ إذ تبلغ فائدة الإيداع لليلة واحدة 19% والإقراض 20% وسعر العملية الرئيسية 19.50%، وهي المستويات التي أبقت عليها لجنة السياسة النقدية في اجتماعها الأخير في أغسطس.

ومع تضخم عام يدور حول 14.5%، تظل هناك مساحة موجبة بين سعر الفائدة الاسمي ومعدل التضخم، وهي مساحة لها أهمية كبيرة في تثبيت توقعات التضخم والحفاظ على جاذبية الأدوات المقومة بالجنيه ، لكن الحفاظ على فائدة حقيقية موجبة لا يعني بالضرورة أن ارتفاع أسعار الفائدة هو الحل الدائم فكلما طال أمد السياسة النقدية التقييدية ارتفعت تكلفة التمويل على الشركات والأفراد، وهو ما يمكن أن يضغط على الاستثمار والائتمان والاستهلاك.

ومن هنا تصبح إدارة الفائدة الحقيقية أكثر أهمية من التركيز على سعر الفائدة الاسمي وحده، لأن الهدف هو الوصول إلى نقطة توازن تسمح باستمرار انخفاض التضخم دون تحميل النشاط الاقتصادي تكلفة نقدية أكبر من اللازم.

قرارات أسعار الفائدة أصبحت أكثر ارتباطا بسعر الصرف

في الاقتصاد المصري، لا يمكن فصل السياسة النقدية عن سوق الصرف؛ لأن أي تغيرات كبيرة في سعر العملة يمكن أن تنتقل إلى أسعار السلع والخدمات من خلال تكلفة الواردات ومدخلات الإنتاج.

ولهذا فإن البنك المركزي ينظر إلى استقرار سوق الصرف باعتباره أحد المكونات الأساسية لمسار خفض التضخم وكلما زادت الثقة في تدفقات النقد الأجنبي وتحسن وضع الاحتياطيات والسيولة الدولارية، اتسعت مساحة المناورة أمام السياسة النقدية.

وفي المقابل، فإن أي صدمة خارجية تؤدي إلى ارتفاع تكلفة الطاقة أو الواردات أو زيادة الطلب على العملة الأجنبية يمكن أن تعيد بعض الضغوط التضخمية، حتى في حالة تحسن المؤشرات المحلية.

ومن ثم، فإن استقرار سوق الصرف أصبح أحد شروط نجاح دورة التيسير النقدي وليس مجرد نتيجة لها.

البيئة العالمية تضيف طبقة جديدة من الحذر

لا تتحرك السياسة النقدية المصرية بمعزل عن الاقتصاد العالمي و الذي يشهد ارتفاعا في مستويات عدم اليقين المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد.

والبنك المركزي المصري أشار في بياناته النقدية إلى انها هناك استمرار للمخاطر المرتبطة بأسعار الطاقة والسلع الزراعية، إلى جانب المخاطر الجيوسياسية وتشدد الأوضاع المالية العالمية.

وهذا يعني أن قرار الفائدة المقبل يجب أن يأخذ في الاعتبار المخاطر المستقبلية وليس فقط البيانات الحالية ، فالسياسة النقدية تعمل بفجوة زمنية، وأي قرار اليوم تظهر آثاره الكاملة على الاقتصاد بعد فترة، وبالتالي فإن إدارة السياسة النقدية تعتمد على استشراف مسار التضخم وليس التعامل معه بعد حدوثه فقط.

النمو الاقتصادي يفرض معادلة مختلفة

في الجانب الآخر من المعادلة، يحتاج الاقتصاد إلى استمرار تحسن النشاط والاستثمار والائتمان وتشير بيانات البنك المركزي إلى أن النمو الحقيقي للناتج المحلي بلغ نحو 5% في الربع الأول من عام 2026، مع بقاء الاقتصاد دون طاقته المحتملة خلال المرحلة الحالية ، كما توقع البنك المركزي أن يدور متوسط النمو الحقيقي حول 5% خلال السنة المالية 2025 /2026.

وهنا تظهر أهمية عدم النظر إلى سعر الفائدة باعتباره أداة لمواجهة التضخم فقط، بل باعتباره جزءًا من منظومة أوسع تؤثر في تكلفة رأس المال، والائتمان المصرفي، والاستثمار الخاص، والطلب المحلي.

فالاستمرار في سياسة نقدية شديدة التقييد لفترة أطول من اللازم يمكن أن يحد من سرعة تعافي الاستثمار، بينما التيسير المبكر قبل ترسخ الاتجاه النزولي للتضخم قد يؤدي إلى ضغوط عكسية على الأسعار وسوق الصرف.

وبالتالي، فإن التوقيت أصبح أكثر أهمية من مجرد اتجاه القرار.

من دورة الخفض إلى إدارة التوازنات

منذ بدء دورة التيسير، خفض البنك المركزي أسعار الفائدة بصورة تراكمية، ثم انتقل إلى مرحلة أكثر حذرًا مع الإبقاء على أسعار العائد دون تغيير في الاجتماعات الأخيرة وفي أغسطس، أبقى البنك المركزي سعر الإيداع عند 19% والإقراض عند 20% وسعر العملية الرئيسية عند 19.50%، مؤكدًا أهمية استمرار موقف نقدي مناسب لدعم مسار خفض التضخم.

ويعكس ذلك تحولًا مهمًا في طبيعة السياسة النقدية فلم تعد القضية مجرد خفض الفائدة، وإنما كيفية إدارة سرعة الخفض بما لا يضر بمكاسب الاستقرار النقدي التي تحققت بالفعل.

فالسياسة النقدية الناجحة لا تقاس بعدد مرات الخفض، وإنما بقدرتها على تحقيق تراجع مستدام في التضخم مع الحفاظ على استقرار الأسواق ودعم النمو.

التوقعات التضخمية هي مفتاح المرحلة المقبلة

أحد أهم العناصر التي ستحدد المسار النقدي هو توقعات التضخم فحين يقتنع المستثمرون والشركات والأسر بأن التضخم يتجه بصورة مستدامة نحو مستويات أقل، تنخفض احتمالات بناء قرارات الأسعار والأجور على توقعات تضخمية مرتفعة.

وقد أوضح البنك المركزي أن التضخم من المتوقع أن يشهد ارتفاعًا مؤقتا خلال الربع الثالث من 2026 بفعل تأثيرات سنة الأساس، قبل أن يستأنف مساره النزولي تدريجيًا، مع استهداف الوصول إلى 7% ±2 نقطة مئوية في المتوسط خلال الربع الرابع من 2026، وفق إطار التضخم المستهدف الحالي.

وهذا يحمل دلالة اقتصادية مهمة بان السياسة النقدية لا ينبغي أن تتعامل مع الارتفاعات المؤقتة في التضخم بنفس الطريقة التي تتعامل بها مع موجة تضخمية مستدامة بل يجب التمييز بين صدمات مؤقتة يمكن امتصاصها وبين ضغوط تتطلب تشديدًا نقديًا أكثر قوة.

تثبيت الفائدة يمثل إدارة مخاطر أكثر من كونه توقفًا عن التيسير

في تقديري، فإن جوهر المرحلة المقبلة يكمن في إدارة المخاطر بصورة متوازنة فهناك جانب يدعم استمرار التيسير النقدي، يتمثل في الاتجاه العام لانخفاض التضخم، واستقرار بعض المؤشرات الشهرية، وتحسن قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات السابقة.

وفي المقابل، هناك عوامل تدعو إلى قدر أكبر من الحذر، أبرزها ارتفاع التضخم الأساسي، والتقلبات الجيوسياسية، وأسعار الطاقة، واحتمالات انتقال أي صدمات خارجية إلى السوق المحلية.

ومن ثم فإن تثبيت أسعار الفائدة في هذه المرحلة يمكن أن يمثل قرارًا لإعادة ضبط الإيقاع النقدي، ومنح الاتجاه النزولي للتضخم مزيدًا من الوقت كي يترسخ، مع الحفاظ على الفائدة الحقيقية الموجبة وجاذبية الأصول المحلية.

تثبيت محسوب للحفاظ على مكتسبات الاستقرار

الاقتصاد المصري يقف حاليًا أمام مرحلة انتقالية مهمة من دورة السياسة النقدية ، فقد أصبح خفض التضخم أكثر وضوحًا، لكن الوصول إلى مستويات تتوافق مع مستهدف البنك المركزي لا يزال يحتاج إلى استمرار السياسة النقدية الحذرة.

والتحدي الحقيقي أمام البنك المركزي هو تحقيق توازن دقيق بين ثلاثة أهداف متزامنة هي تثبيت توقعات التضخم، والحفاظ على استقرار سوق الصرف، وتوفير مساحة تدريجية لدعم الاستثمار والنمو.

لذلك، فإن السياسة النقدية الأكثر كفاءة في المرحلة الحالية ليست بالضرورة الأكثر تشددًا ولا الأسرع في التيسير، وإنما الأكثر قدرة على التحرك وفق البيانات، وقراءة اتجاهات التضخم المستقبلية، واستيعاب الصدمات الخارجية، والحفاظ على مصداقية مسار خفض التضخم.

وفي هذه المرحلة تحديدًا، تصبح مرونة القرار النقدي، ودقة توقيته، وقوة التواصل بشأن أسبابه، أهم من حجم التغيير في سعر الفائدة ذاته. فالهدف النهائي ليس مجرد انخفاض تكلفة الأموال، وإنما الوصول إلى بيئة اقتصادية تتسم بتضخم منخفض ومستقر، وسوق صرف أكثر توازنًا، وتمويل أكثر قدرة على خدمة الاستثمار والنمو.

 

دكتورة شيماء وجيه 

خبيرة مصرفية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى