دكتور زكريا صلاح يكتب عن .. اقتصاد الجامعات
الجامعات تمثل منظومة اقتصادية متكاملة لها سوق وعملاء وموردون وأصول ومخرجات وإيرادات

الجامعة لا تمتلك فقط مدرجات وقاعات ومعامل، وإنما تمتلك أصولا أكثر قيمة ، تتمثل في المعرفة والخبرات والعقول والبيانات والبحث العلمي والشبكات والعلاقات ، التى يمكن تحويلها إلى خدمات استشارية مدفوعة ذات قيمة حقيقية.
فالجامعات تمثل منظومة اقتصادية متكاملة لها سوق وعملاء وموردون وأصول ومخرجات وإيرادات، والفارق بين الجامعة التقليدية والجامعة كمنظومة اقتصادية ليس في حجم ما تمتلكه الجامعة من معرفة، وإنما في قدرتها على تحويل هذه المعرفة إلى قيمة، فالجامعة التي تكتفي بتدريس المعرفة تستهلك جزءًا من موارد الاقتصاد، أما الجامعة التي تنتج المعرفة وتسوقها وتستثمرها وتحولها إلى شركات ومنتجات وحلول واستشارات فإنها تصبح أحد محركات النمو الاقتصادي.
وبالنسبة للنموذج الاقتصادي للجامعة يمكن تقسيم السوق إلى عدة شرائح من المشترين والعملاء ، لتشمل سوق التعليم الذى يقدم برامج البكالوريوس والدراسات العليا والشهادات للطلاب وأسرهم، وسوق التدريب الذى يمكن أن يقدم فيه برامج تدريب وتأهيل مهني للشركات والموظفون والأفراد، وسوق الاستشارات الذى يمكن أن يقدم فيه دراسات واستشارات وحلول للحكومة والشركات والبنوك والمجتمع المدني، وسوق البحث والتطوير الذى يمكنه تقديم أبحاث تطبيقية وحلول مبتكرة للشركات والحكومة والمنظمات الدولية، وسوق التكنولوجيا الذى يمكنه تقديم براءات، وتطبيقات، ونماذج وتقنيات للشركات والجهات الحكومية، ثم سوق المعرفة والذى يمكن من خلاله تقديم تقارير، ومؤشرات، وقواعد بيانات، ومحتوى متخصص للمجتمع والإعلام والمؤسسات.
والطلاب ليسوا فقط “مستهلكين للتعليم” بل يمكن أن يكونوا أيضًا جزءًا من عملية الإنتاج الاقتصادي للجامعة من خلال الأبحاث، والشركات الناشئة، والمشروعات التطبيقية، والعمل الحر، أي أن الجامعة توجد داخل منظومة طلب حقيقية على المعرفة والخبرة والبحث والتدريب والاستشارات.
الجامعات تمثل مركز خبرة واستشارات للمجتمع ، وكل كلية لديها التخصص لتقديم الخدمات والاستشارات والتعليم والمعرفة ، وبالتالي تتحول الجامعة من مؤسسة تعليمية تعتمد على المصروفات إلى منصة متعددة مصادر الدخل ، تضيف قيمة اقتصادية من خلال المعرفة والخبرات والأصول البشرية التي تمتلكها ، والتى يمكن أن تترجم في برامج التدريب المهني، والتعليم التنفيذي، والشهادات المهنية، وحاضنات الأعمال، ومسرعات الشركات الناشئة، ومشروعات الطلاب، وربط الطلاب بالشركات، والتدريب العملي، وتحويل أفكار الطلاب إلى شركات، وبذلك لا يصبح الطالب مجرد شخص يدفع الرسوم، بل يصبح جزءًا من دورة إنتاج القيمة داخل الجامعة.
إن اقتصاد الجامعات ليس فكرة نظرية ، فالسوق موجود، والعملاء موجودون، والاحتياجات موجودة، والخبرات موجودة، والطلاب موجودون، والشركات تبحث عن المعرفة، والمجتمع المدني يحتاج إلى الاستشارات، والحكومة تحتاج إلى الدراسات والسياسات المبنية على الأدلة.
فالجامعة في اقتصاد المعرفة لا ينبغي أن تكون مجرد مستهلك للموارد العامة أو الخاصة، وإنما يجب أن تصبح منتجًا للمعرفة، ومصدرًا للخبرة، وحاضنة للابتكار، ومولدًا للوظائف، وشريكًا للقطاع الخاص، ومحركًا للتنمية، وهنا يبدأ المفهوم الحقيقي لـ “اقتصاد الجامعات” حين تتحول المعرفة من تكلفة على الاقتصاد إلى أصل اقتصادي يولد قيمة.
الجامعات يمكن أن تقدم الكثير من الخدمات التي تضيف الى الناتج المحلي بجانب النشاط التعليمى، ويجب على كل جامعة أن تضع خطة أعمال بناء على استراتيجية واضحة.
وعلى المجلس الأعلى للجامعات التوجيه والمتابعة لضمان سلامة الإجراءات، كما يقترح أن يقوم المجلس الأعلى للجامعات بإنشاء قناة فضائية حاضنة لكل الفاعليات التي تقوم بها الجامعات ، والتواجد على وسائل التواصل الاجتماعى ، لتسليط الضوء على الخدمات التي يمكن أن تقدمها الجامعات للمجتمع المدنى والمؤسسات والحكومة ، كما يمكن من خلال القناة إذاعة الابتكارات والاختراعات ومناقشات أبحاث طلاب الدراسات العليا، وعرض بعض القضايا والموضوعات والحلول التي يمكن تنفيذها.
لقد آن الأوان لإعادة تعريف الجامعة من مؤسسة تعليمية تعتمد أساسًا على التمويل والمصروفات لمنظومة اقتصادية متعددة مصادر الدخل، تنتج المعرفة والخدمات والاستشارات والابتكار.
والله من وراء القصد،،
دكتور زكريا صلاح الجندى
خبير إدارة المخاطر وحوكمة المؤسسات المالية






