محمد عبد العال يكتب : من مضيق هرمز إلى الجنيه المصري .. رحلة انتقال المخاطر

الجغرافيا السياسية قد تفرض على الأسواق موجات من القلق، لكنها لا تحدد وحدها مصير العملة الوطنية

الحروب لم تعد تُقاس فقط بعدد الصواريخ والطائرات، بل أصبحت تُقاس أيضًا بمدى تأثيرها على أسعار النفط، وحركة رؤوس الأموال، وأسعار الصرف، وثقة المستثمرين.

ولعل ما شهدناه خلال الأسابيع الماضية خير دليل على ذلك ، فبعد شهر واحد فقط من توقيع مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية، التي اعتبرها كثيرون بداية لمرحلة من التهدئة، عادت المواجهات العسكرية إلى الواجهة من جديد، لتؤكد أن أخطر ما تواجهه الأسواق ليس الحرب في حد ذاتها، وإنما حالة عدم اليقين التي تصاحبها.

وهنا يبرز سؤال مهم: كيف يمكن لأحداث تقع في منطقة تبعد آلاف الكيلومترات أن تترك آثارها على الجنيه المصري؟.

الإجابة تكمن في فهم رحلة انتقال المخاطر.

من المضيق تبدأ الرحلة… لكنها لا تنتهي عند النفط.

عندما ترتفع حدة التوتر في منطقة المضيق، يكون رد الفعل الأول للأسواق هو القلق على إمدادات الطاقة، فتبدأ أسعار النفط في الارتفاع تحسبًا لأي اضطراب في الإنتاج أو النقل، خصوصًا مع الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز في تجارة النفط العالمية ، لكن تأثير الأزمة لا يتوقف عند أسعار الطاقة.

ارتفاع النفط يعني ارتفاع تكلفة الواردات، وزيادة الضغوط التضخمية، وارتفاع تكلفة الإنتاج والنقل.

كما ترتفع تكاليف التأمين والشحن البحري، فتزداد الضغوط على الاقتصادات المستوردة للطاقة، ومنها الاقتصاد المصري.

وفي الوقت نفسه، يعيد المستثمرون العالميون تقييم محافظهم الاستثمارية، فيميل بعضهم إلى تقليص استثماراته في الأسواق الناشئة مؤقتًا، والاتجاه نحو الأصول التي يرونها أكثر أمانًا في أوقات الأزمات.

وهكذا تنتقل الصدمة تدريجيًا من الجغرافيا السياسية إلى الاقتصاد، ثم إلى أسواق المال، وأخيرًا إلى سوق الصرف.

ماذا تقول التجربة الأخيرة؟

إذا قارنا تطورات الأسواق خلال الأشهر الماضية، سنجد صورة تستحق التأمل.

قبل تصاعد التوترات في نهاية فبراير، كانت الأسواق تتحرك في نطاق أكثر هدوءًا، وكان الجنيه المصري يتمتع باستقرار نسبي مدعومًا بتحسن تدفقات النقد الأجنبي.

مع اتساع المواجهات العسكرية، ارتفعت أسعار النفط بصورة ملحوظة، وازدادت حالة الحذر في الأسواق العالمية، وظهرت ضغوط على العديد من عملات الأسواق الناشئة، ومن بينها الجنيه المصري.

ثم جاءت مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية، فتراجعت أسعار النفط، وتحسنت شهية المستثمرين للمخاطرة، واستعاد الجنيه جانبًا مهمًا من قوته، بما عكس سرعة استجابة الأسواق لتحسن التوقعات.

مع عودة التصعيد مؤخرًا، عادت حالة الترقب من جديد، وارتفعت أسعار النفط مرة أخرى، وبدأت الأسواق تعيد تسعير المخاطر، وهو ما يؤكد أن المتغير الأكثر تأثيرًا ليس الحدث نفسه، وإنما درجة اليقين بشأن ما قد يحدث بعده.

هل الجنيه أكثر قدرة على الصمود؟

الإجابة تبدو أكثر توازنًا من ذي قبل.

لا أحد يستطيع الادعاء بأن الاقتصاد المصري أصبح بمنأى عن تأثير التطورات العالمية، لكن من الإنصاف القول إن أدوات التعامل مع الصدمات أصبحت أقوى مقارنة بفترات سابقة.

مرونة سعر الصرف أصبحت تمثل خط الدفاع الأول، إذ تسمح بامتصاص جانب من الصدمات تدريجيًا دون استنزاف الاحتياطيات.

كما أن تحسن الاحتياطيات الدولية، وتحسن وتيرة العجز في ميزان المدفوعات، وعودة صافي الأصول الأجنبية للقطاع المصرفي إلى الفائض، تمثل جميعها عوامل تعزز قدرة الاقتصاد على مواجهة التقلبات الخارجية.

يضاف إلى ذلك استمرار السياسة النقدية الحذرة، بما يساعد على الحفاظ على جاذبية الأصول المقومة بالجنيه في مواجهة التقلبات العالمية.

وهذا لا يعني غياب المخاطر، لكنه يعني أن قدرة الاقتصاد على إدارتها أصبحت أفضل.

ماذا نترقب خلال الفترة المقبلة؟

يمكن تصور 3 سيناريوهات رئيسية:

السيناريو الأول: نجاح الجهود السياسية في احتواء التصعيد، وهو ما قد ينعكس في تراجع تدريجي لأسعار النفط، وتحسن شهية المستثمرين، وانخفاض الضغوط على الأسواق الناشئة، ومن بينها السوق المصرية.

السيناريو الثاني ، وهو الأقرب في ظل المعطيات الحالية : استمرار التصعيد في حدود لا تؤدي إلى حرب إقليمية واسعة. في هذه الحالة قد تظل الأسواق متقلبة، لكن دون اضطرابات حادة، مع استمرار تحرك الجنيه وفق آلية مرنة تعكس تغيرات العرض والطلب.

السيناريو الثالث ، الأقل احتمالًا والأعلى تكلفة : اتساع نطاق الصراع بصورة تؤثر مباشرة على إمدادات الطاقة أو حركة التجارة العالمية، بما قد يفرض ضغوطًا أكبر على معظم الاقتصادات المستوردة للطاقة، وليس على مصر وحدها.

الدرس الأهم:

علمتنا الأزمات الأخيرة أن الاقتصاد الحديث لم يعد يتأثر بالحدود الجغرافية بقدر ما يتأثر بدرجة الترابط بين الأسواق.

قد لا تصل أي رصاصة إلى مصر، لكن قد تصل آثارها إلى أسعار النفط، ثم إلى تكلفة الاستيراد، ثم إلى قرارات المستثمرين، ومنها إلى سوق الصرف.

ولهذا فإن بناء اقتصاد قادر على مواجهة الصدمات لا يتحقق بمنع الأزمات، فهذا أمر خارج إرادة أي دولة، وإنما يتحقق ببناء احتياطيات قوية، وسياسات نقدية ومالية متوازنة، واقتصاد أكثر إنتاجًا وتنافسية، بما يجعل تأثير الأزمات الخارجية محدودًا ومؤقتًا.

وهنا تكمن الرسالة الأهم:

فالجغرافيا السياسية قد تفرض على الأسواق موجات من القلق، لكنها لا تحدد وحدها مصير العملة الوطنية.

ما يصنع الفارق في النهاية هو قوة الأساسيات الاقتصادية، وقدرة الدولة على امتصاص الصدمات، وتحويل الأزمات من تهديدات ممتدة إلى تحديات يمكن احتواؤها وإدارتها بكفاءة.

محمد عبد العال

خبير مصرفي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى