محمد عبد العال يكتب : “المَصْطَبَة الاقْتِصَاديَّة 13”
"الفالوجة.. في بحر اليقين"

المشهد الأول: أفقٌ لا ينتهي
البحر ممتد كصحيفة بيضاء، والفالوجة – بشراعها الذي كان يوماً ملاية سرير – تبدو كذرة غبار في محيط غاضب ، عبقرينو يراقب الرادار البدائي، وخضرة تمسك الدفة بيدٍ ترتجف من رهبة الموقف، بينما فوزي يوثق اللحظة بهاتفه، ليس بحثاً عن “تريند”، بل بحثاً عن حقيقة.
المشهد الثاني: ليلة المواجهة الصامتة
يسود الليل، وتظهر من بعيد أضواء باهتة لمركب هجرة غير شرعية ، يقترب المركبان ، عيون الشباب في المركب الآخر تحكي مأساة العالم الذي تتحدث عنه “النشرات الإخبارية”.
عبقرينو بصوت يقطعه هدير الأمواج: “أنتم ليه هاربين؟”.
أحد الشباب بصوت يائس: “هربنا من الأرقام اللي بتكبر كل يوم والرزق اللي بيصغر.. هربنا من وهم المضيق”.
في هذه اللحظة، يوزع عم رضوان ما تبقى من “البطيخ المانجاوي”، مشهد إنساني يختزل كل معاني التكافل ، قليل من الزاد، وكثير من المحبة، وسط ملوحة البحر ومرارة الغربة.
المشهد الثالث: قسوة التكنولوجيا ودموع الأم
تضطرب المياه فجأة ، يظهر “الوحش”.. حوت معدني مسيّر، يمسح المنطقة بأشعة تحت حمراء ، الخوف يتسلل للنفوس.
أم فوزي تضم كفيها بالدعاء: “يا رب يا عليم يا حكيم.. ببركة اليوم ده، ولادنا اللي بيمتحنوا ثانوية عامة، يسر لهم كل صعب، وألهمهم الغش الذكي، وريح قلوبهم من نظام التعليم اللي ملوش فايدة قدام ذكاء الآلة اللي إحنا شايفينه ده.. كفاية عذاب في العيال يا رب!”.
تمسح دموعها، وتنظر للشباب في مركب الهجرة، وتنفجر بالبكاء على أحلامهم المهدورة، بينما يحيط بها عبقرينو بكلمات دافئة تعيد لها صوابها وسط العاصفة: “إحنا هنا عشان نثبت إننا لسه موجودين، وإن الإنسان أذكى من كل المسيرات”.
المشهد الرابع: لحظة الصمود
يظهر الحوت المسير أمام الفالوجة مباشرة ، فوزي يرفع هاتفه: “يا جماعة، لو دي آخر لقطة ليا، عايز أقول إننا مش بنهرب، إحنا بنواجه عشان خاطر كل أم دعت لولادها النهاردة!”.
في تلك اللحظة، يستخدم عبقرينو “بوصلة” مغناطيسية قديمة مع “فلاش” الهاتف، في عملية تشويش بدائية لكنها عبقرية على مستشعرات الحوت ، يضطرب المسير، يغير وجهته، وتمر الفالوجة في ثغرة ضيقة بين الأمواج والمعدن.
المشهد الخامس: العودة واليقين
مع تباشير الفجر، تلوح شواطئ القرية ، الفالوجة تعود، ليست محملة بالذهب، بل محملة بدرسٍ لن ينساه أهل المصطبة.
يقف “أبو أحمد” على الشط، يمسح دموع عينيه وهو يرى الفالوجة تطفو ، لا معارضة اليوم، لا صوت عالٍ، فقط احترام لمغامرة “المجانين” الذين واجهوا العالم بالبطيخ والإيمان.
الخاتمة:
يجلس الجميع على المصطبة، المقهى هادئ، وأصوات أمواج البحر لا تزال في آذانهم.
الحاج رضوان وهو يقطع آخر قطعة بطيخ مانجاوي: “يا جماعة، المضيق مقفول ولا مفتوح؟ الحوت معدن ولا حيوان؟.. مش مهم ، المهم إننا رجعنا، المهم إننا لسه بنحلم بالقرية المنتجة، وإن ولادنا في الامتحانات هينجحوا لأنهم هيفهموا الحقيقة.. الحقيقة إن الرزق مش في عرض البحر، الرزق في أرضنا لو عرفنا نحميها”.
الكاميرا تركز على وجه “فوزي” وهو ينشر فيديو الرحلة، وعنوانه: “رحلة الفالوجة.. البطيخ المانجاوي يهزم التكنولوجيا”.
محمد عبد العال
خبير مصرفي






