دكتورة شيماء وجيه تكتب عن : الحوافز الضريبية للتمويل متناهي الصغر

خطوة ملموسة لتعميق الشمول المالي وتحفيز الاقتصاد الرسمي

لم تعد السياسات الضريبية تستخدم فقط كأداة لتعظيم الإيرادات العامة، بل أصبحت أحد أهم أدوات السياسة الاقتصادية لتحفيز الاستثمار، وتوسيع النشاط الإنتاجي، وتعزيز الشمول المالي.

وفي هذا الإطار، تمثل المعالجة الضريبية للديون المعدومة لدى شركات التمويل متناهي الصغر تطورا مهما في بناء بيئة تمويلية أكثر كفاءة وقدرة على دعم المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر.

تحقيق التوازن بين العدالة الضريبية وكفاءة النشاط التمويلي

المنظومة الضريبية الرشيدة لا تفرض ضرائب على أرباح غير محققة أو على أصول فقدت قيمتها الاقتصادية ولذلك فإن الاعتراف الضريبي بالديون المعدومة يعكس توجها نحو تحقيق العدالة الضريبية، من خلال ربط الوعاء الضريبي بالنتائج الفعلية للنشاط، وليس بالقيم الدفترية فقط وهو ما يمنح شركات التمويل قدرة أكبر على إدارة محافظها الائتمانية وفق أسس اقتصادية سليمة.

تعزيز قدرة شركات التمويل على التوسع في الإقراض

شركات التمويل متناهي الصغر تعمل بطبيعة نشاطها مع شرائح تحمل مستويات أعلى من المخاطر الائتمانية مقارنة بالتمويل التقليدي، وهو ما يجعل وجود إطار ضريبي مرن أحد العناصر الأساسية لاستدامة نشاطها.

وعندما يتم تخفيف الأعباء الضريبية المرتبطة بالديون التي ثبت تعثرها، تتحسن كفاءة استخدام رأس المال، وتزداد قدرة الشركات على إعادة توجيه مواردها نحو تمويل عملاء جدد بدلاً من تجميدها في خسائر غير قابلة للاسترداد.

دعم الشمول المالي والاقتصاد الرسمي

توسيع نشاط التمويل متناهي الصغر لا يقتصر أثره على توفير السيولة للمشروعات الصغيرة، بل يمتد إلى دمج آلاف الأنشطة الاقتصادية داخل المنظومة الرسمية فكل مشروع يحصل على تمويل رسمي يصبح أكثر ارتباطا بالنظام المصرفي، وأكثر قدرة على النمو، والاستفادة من الخدمات المالية، وهو ما يعزز الشمول المالي ويحد من الاقتصاد غير الرسمي.

تحفيز الاستثمار والإنتاج وليس الاستهلاك

القيمة الاقتصادية الحقيقية لهذا النوع من الحوافز تكمن في أنه يوجه الموارد نحو التمويل الإنتاجي فالمشروعات متناهية الصغر تمثل القاعدة الأوسع للنشاط الاقتصادي، وتلعب دورًا مهمًا في خلق فرص العمل، ورفع مستويات الدخل، وتنشيط الأسواق المحلية وكل توسع في تمويل هذه المشروعات ينعكس بصورة مباشرة على زيادة الإنتاج، وليس فقط على تنشيط الاستهلاك.

خفض تكلفة التمويل بصورة غير مباشرة

عندما تتحسن المراكز المالية لشركات التمويل نتيجة وجود معالجة ضريبية أكثر كفاءة، فإن ذلك ينعكس تدريجيًا على تكلفة التمويل، ويمنح الشركات مساحة أكبر لتقديم منتجات تمويلية أكثر تنافسية، والوصول إلى شرائح جديدة من العملاء، خاصة في المحافظ والمناطق التي تعاني محدودية الخدمات المالية.

رسالة إيجابية للمستثمرين في القطاع المالي غير المصرفي

الإصلاحات الضريبية الموجهة لقطاع التمويل متناهي الصغر تحمل رسالة واضحة بأن الدولة تتبنى سياسات تشجع الاستثمار في الأنشطة المالية غير المصرفية، وتسعى إلى بناء بيئة تنظيمية وضريبية أكثر استقرارًا وهذا يعزز ثقة المستثمرين المحليين والأجانب في قطاع يشهد معدلات نمو مرتفعة، ويعد أحد أهم محركات التمويل الشامل.

التحول من الإصلاح الضريبي إلى التنمية الاقتصادية

النجاح الحقيقي لأي إصلاح ضريبي لا يقاس بحجم الإيرادات الإضافية التي يحققها، وإنما بقدرته على تحفيز النشاط الاقتصادي، ورفع كفاءة تخصيص الموارد، وزيادة معدلات الاستثمار وعندما تخدم السياسة الضريبية أهداف التنمية، فإنها تتحول من مجرد أداة للجباية إلى ركيزة لدعم النمو الاقتصادي المستدام.

وفي تقديري، فإن الاعتراف الضريبي بالديون المعدومة لشركات التمويل متناهي الصغر يمثل خطوة تعكس تطورا في فلسفة الإصلاح الاقتصادي، لأنه يدعم استدامة مؤسسات التمويل، ويزيد من قدرتها على تمويل المشروعات الإنتاجية، ويعزز الشمول المالي، ويوسع قاعدة الاقتصاد الرسمي فكلما أصبحت البيئة الضريبية أكثر كفاءة وعدالة، ازدادت قدرة القطاع المالي على أداء دوره التنموي، وتحول التمويل إلى محرك رئيسي للنمو، وليس مجرد نشاط ائتماني.

دكتورة شيماء وجيه

خبيرة مصرفية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى