دكتورة شيماء وجيه تكتب : عندما يتحول التمويل المصرفي لمحرك للنمو الاقتصادي

يبقى التحدي الحقيقي في تعظيم الأثر التنموي لهذا التمويل

لا يقاس تطور القطاع المصرفي بحجم الودائع فقط، وإنما بقدرته على تحويل تلك المدخرات إلى تمويل منتج يخلق استثمارات جديدة، ويوسع الطاقة الإنتاجية، ويولد فرص عمل، ويعزز النمو الاقتصادي.

فكلما ارتفع حجم التسهيلات الائتمانية الموجهة للقطاعات الاقتصادية، دل ذلك على انتقال الجهاز المصرفي من دور الوسيط المالي التقليدي إلى شريك رئيسي في عملية التنمية.

إن تجاوز التسهيلات الائتمانية بالبنوك مستوى 10 تريليونات جنيه يعكس اتساع قدرة القطاع المصرفي على تمويل النشاط الاقتصادي، ويؤكد أن البنوك أصبحت تمتلك قاعدة رأسمالية وسيولة قوية تسمح لها بدعم مختلف القطاعات الإنتاجية والخدمية، دون الإخلال بمعايير السلامة المالية أو جودة المحافظ الائتمانية.

والقراءة الاقتصادية لهذا التطور تتجاوز مجرد نمو الأرقام.

لأن القيمة الحقيقية للائتمان لا تكمن في حجمه، وإنما في جودة توجيهه ، فالاقتصادات لا تحقق معدلات نمو مرتفعة نتيجة التوسع في الإقراض بحد ذاته، وإنما عندما تتجه القروض نحو الأنشطة القادرة على خلق قيمة مضافة وزيادة الإنتاج والتصدير ورفع مستويات التشغيل.

ولهذا، فإن تصدر قطاع الأعمال الخاص والصناعة لمعدلات النمو في التمويل يعد مؤشرًا بالغ الأهمية، لأنه يعكس تحولًا تدريجيًا في هيكل الائتمان نحو القطاعات الأكثر إنتاجية، وهي القطاعات القادرة على تحقيق نمو اقتصادي مستدام، وتعزيز تنافسية الاقتصاد، وتقليل الاعتماد على الأنشطة غير المنتجة.

كما أن اتساع الائتمان الموجه للقطاع الخاص يمثل أحد أهم المؤشرات التي تتابعها المؤسسات الدولية عند تقييم بيئة الاستثمار، إذ يعكس قدرة البنوك على تمويل الشركات، ويدل على تحسن مناخ الأعمال، وارتفاع ثقة الجهاز المصرفي في قدرة القطاع الخاص على التوسع وتحقيق عوائد اقتصادية.

ومن زاوية أخرى، فإن النمو القوي في التسهيلات الائتمانية يعكس نجاح السياسة النقدية في الانتقال تدريجيًا من مرحلة احتواء التضخم واستعادة الاستقرار النقدي إلى مرحلة دعم النشاط الاقتصادي، دون الإخلال بهدف الحفاظ على استقرار الأسعار ، فكلما تحسنت مؤشرات الاقتصاد الكلي، زادت قدرة البنوك على توجيه مواردها نحو تمويل الاستثمار والإنتاج بدلاً من التركيز على إدارة المخاطر فقط.

إلا أن استمرار هذا الزخم يتطلب الحفاظ على التوازن بين التوسع في منح الائتمان وجودة الأصول ، فالنمو الصحي للائتمان لا يقاس بسرعة زيادة التمويل، وإنما بقدرة المقترضين على السداد، وارتفاع العائد الاقتصادي للمشروعات الممولة، وانخفاض نسب التعثر، بما يضمن استدامة قوة القطاع المصرفي.

كما أن المرحلة المقبلة تستوجب توجيه نسبة أكبر من التمويل إلى القطاعات ذات الأولوية، وفي مقدمتها الصناعة، والزراعة الحديثة، والطاقة المتجددة، والتكنولوجيا، والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، باعتبارها القطاعات الأكثر قدرة على رفع الإنتاجية، وزيادة الصادرات، وتعميق المكون المحلي، وتحسين ميزان المدفوعات.

وفي تقديري، فإن النمو الكبير في التسهيلات الائتمانية لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد توسع مصرفي، بل باعتباره مؤشرًا على دخول الاقتصاد المصري مرحلة جديدة ، يتزايد فيها دور البنوك كمحرك للنشاط الاقتصادي، وليس فقط كممول للاحتياجات المالية ، فكل جنيه يتم توجيهه إلى مشروع منتج يمثل استثمارا في الناتج المحلي، وفرصة عمل جديدة، وزيادة في القدرة التنافسية للاقتصاد.

ويبقى التحدي الحقيقي ليس في تحقيق أرقام قياسية للائتمان، وإنما في تعظيم الأثر التنموي لهذا التمويل، بحيث يصبح الائتمان المصرفي أداة لزيادة الإنتاج، وتحفيز الاستثمار، وتعزيز النمو الشامل، بما يرسخ دور القطاع المصرفي كأحد أهم ركائز التنمية الاقتصادية المستدامة.

دكتورة شيماء وجيه

خبيرة مصرفية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى