دكتور زكريا صلاح يكتب : الديون والاستقرار الاجتماعي

التمويل الاستهلاكي ليس جيدًا أو سيئًا بذاته لكنه يتحول إلى أداة استقرار اجتماعي أو مصدر ضغط حسب طريقة التوسع فيه وإدارة الديون

تعمل شركات التمويل الاستهلاكي كجسر بين الرغبة الشرائية والدخل الحقيقي عندما يصبح دخل الأسرة غير كافٍ، وتذكرنا عمليات التعثر من قبل الأفراد فى سداد أقساط قروض التمويل الاستهلاكي بالغارمين والغارمات ، وهو ما يهدد فكرة الاستقرار الإجتماعي، خاصة وأن فكرة تهديد الاستقرار المالي بعيدة إلي حد ما، نظراً لأن حجم أصول المؤسسات المالية غير المصرفية لايزيد عن 6.5% فقط من إجمالي أصول النظام المالي فى مصر ، حيث يستحوذ القطاع المصرفي على النسبة المتبقية.

والفكرة الأساسية هنا أن التمويل الاستهلاكي ليس جيدًا أو سيئًا بذاته ، لكنه يتحول إلى أداة استقرار اجتماعي أو مصدر ضغط اجتماعي حسب طريقة التوسع فيه وإدارة الديون.

ولتجنب تحول التمويل الإستهلاكي إلي ضغط إجتماعي ، والحفاظ على مستوى مقبول من الاستقرار ، وتقليل التوتر الناتج عن الفجوات الاقتصادية ، يجب علي الأسر المصرية ما يلي:

أولاً : التحول من “إدارة الأقساط” إلى “إدارة الدخل” ، من خلال تحديد سقف لإجمالي الأقساط لا يتجاوز 35% من صافي دخل الأسرة.

ثانياً: التمييز بين 3 أنواع من الاستهلاك ، والمتمثلة فى الأشياء الضرورية للأسرة مثل الغذاء والأدوية والتعليم والمتطلبات الأساسية من الأجهزة، ثم النوع الثاني وهو الإنفاق من أجل تجديد الممتلكات مثل الأثاث وشراء سيارة للتنقل ، ثم النوع الثالث وهي الأشياء التي تحقق الرفاهية مثل القيام بعمليات شراء للحفاظ على نمط اجتماعي معين.

ثالثاً: إنشاء «صندوق سيولة عائلي» أي ادخار جزء من الدخل ولو يسير لمقابلة أي مصروف طارئ ، وقد يكون ذلك في حدود الاحتفاظ بمصروف شهرين إلى 6 أشهر حتى لا يتحول أي ظرف إلى سلسلة تعثر ، وعدم اللجوء إلي الاقتراض إلا في حالات الضرورة.

رابعاً: محاولة تنويع وزيادة مصادر الدخل لمواجهة الزيادة في الالتزامات ، من خلال عمل إضافي أوالقيام بمشروع عائلي صغير أواستثمار مهارة لدى أحد أفراد الأسرة.

خامساً: تطبيق قاعدة الـ 30 يوم للشراء غير الضروري، عند الحاجة أو التفكير في أي سلعة غير أساسية ، حيث يمكن الانتظار 30 يومًا وإذا بقيت الحاجة موجودة يتم اتخاذ قرار الشراء أما إذا اختفت الحاجة يتم إلغاء عملية الشراء وتجنب النفقات الزائدة.

سادساً: نشر الثقافة المالية بين أفراد الأسرة ، ومناقشة عمليات الإنفاق وما يترتب عليها من التزامات ، وتوعيتهم بأن الإقتراض يجب ألا يكون نمط حياة طبيعي ، وأن الأفضل تعلم الادخار ، وتأجيل قرارات الشراء حالة عدم الضرورة والحفاظ علي قيمة المال.

سابعاً: وضع خطة للخروج من حالة التعثر أو التوقف عن السداد إذا كانت الأسرة مقترضة ، ويتم ذلك على 3 مراحل.

المرحلة الأولى: وقف النزيف في أول 30 يوماً ، من خلال الوقوف على الصورة الحقيقية من الناحية المالية للأسرة ، بتحديد إجمالي الدخل الشهري والأقساط الشهرية وإيجارالسكن والمصروفات الأساسية والمتأخرات ، وذلك لمعرفة ما إذا كان الموقف الحالى يمثل مشكلة سيولة مؤقتة أم هيكل دخل لا يغطي الالتزامات، وإيقاف أية التزامات جديدة خلال فترة التعثر ، بحيث لا يتم تقسيط جديد ولا سداد دين بدين إلا لو لخطة إعادة هيكلة واضحة، إضافة إلى تحديد المصروفات ، ومحاولة ترشيد الانفاق ، وبيع أصول يمكن الاستغناء عنها لسداد جزء من الديون وتخفيف العبء علي الدخل.

المرحلة الثانية : إذا بدأت الأسرة تشعر أنها لن تستطيع السداد يجب أن تتواصل مع الجهة الممولة مبكرًا للاستفسار عن إعادة الجدولة ومد فترة السداد وتخفيض القسط والتأجيل الجزئي إن كان متاحًا، مع التجميد المؤقت لمدة 90 يوما بإيقاف شراء الأجهزة والكماليات وتقليل الاشتراكات وتأجيل المشتريات الكبيرة وبيع الأصول الأقل أهمية ، لأنه أحيانًا البيع يكون أقل تكلفة من تراكم الالتزامات.

المرحلة الثالثة : يجب بناء احتياطي صغير قبل العودة للاستهلاك ، بادخار جزء ولو بسيط من الدخل شهرياً ومنع تكرار التعثر، وإذا كان التعثر شديدًا جدًا تصبح الأولوية هي الحفاظ على الاستقرار المالي للأسرة وليس الحفاظ على مستوى الاستهلاك السابق ، من خلال خفض مستوى الاستهلاك مؤقتًا، فالأسرة المتعثرة لا تحتاج أن تبدو مستقرة أمام المجتمع ، بل أن تصبح مستقرة ماليًا ولا تتعرض لضغوط اجتماعية بسبب الديون.

إن التعثر الشديد لا يُحل بالحفاظ على الصورة الاجتماعية القديمة ، بل بإعادة موائمة نمط الحياة مع الدخل الحقيقي ثم إعادة البناء تدريجيًا.

والله من وراء القصد،،

د. زكريا صلاح الجندي

الخبير المصرفي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى