دكتور زكريا صلاح يكتب : الاندماج المالي أم السلوك المالي؟!
الأمر يتطلب مراجعة أهداف الشمول المالي ومؤشرات تحققه والوقوف على الأدوات المستخدمة للتنفيذ

أظهرت أزمة الصراف الآلي فى فترة العيد حضور الإندماج المالي وغياب السلوك المالي ، الأمر الذى يتطلب معه مراجعة أهداف الشمول المالي ومؤشرات تحققه والوقوف على الأدوات المستخدمة للتنفيذ.
إن أزمة السحب من ماكينات الصراف الآلي خلال الأعياد ليست مجرد مشكلة تشغيلية أو نقص سيولة داخل الماكينات، بل هي مؤشر مهم على أن رحلة الشمول المالي لم تكتمل بعد، فالفارق كبير جداً بين مفهوم الاندماج المالي ، الذى يتمثل في قدرة الأفراد والمؤسسات على الوصول إلى الخدمات والمنتجات المالية الرسمية واستخدامها دون عوائق من خلال فتح حساب مصرفي، وامتلاك بطاقة خصم أو ائتمان، وامتلاك محفظة إلكترونية، والحصول على التمويل، والحصول على التأمين، واستخدام خدمات التحويلات، ومفهوم السلوك المالي الذي يمثل الكيفية التي يتصرف بها الأفراد فعلياً عند إدارة أموالهم واتخاذ قراراتهم المالية اليومية ، مثل الادخار وما اذا كان يدخر الفرد بإنتظام أم ينفق كامل دخله، والاقتراض وما إذا كان يقترض لأغراض إنتاجية أم استهلاكية، والدفع وما إذا كان يعتمد بصورة كبيرة على الكاش أم المدفوعات الإلكترونية، والاستثمار وما إذا كان يستثمر أم يحتفظ بالأموال دون تشغيل، وكذلك التخطيط المالي وما اذا كان يضع ميزانية لنفقاته أم لا.
قد يمتلك الفرد حساباً بنكياً وبطاقة خصم ومحفظة إلكترونية ، وبالتالي فهو مندمج مالياً لكنه يسحب راتبه بالكامل يوم نزوله، ويدفع جميع مشترياته نقدا ، وقلما يستخدم التحويلات الإلكترونية، ولا يقوم بالادخار ، وهو ما يعنى أن سلوكه المالي لم يتغير ، وبالتالي في هذه الحالة تحقق الاندماج المالي ولم يتحقق هدف الشمول المالي الكامل بتغيير السلوك المالي.
إن زيادة الحسابات البنكية لا تؤدي تلقائياً إلى زيادة الادخار وزيادة الاستثمار ورفع مستوى المعيشة ، بل يجب أن يصاحبها تغيير في السلوك ، وهو ما أظهرته دراسات صادرة عن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي أن ملايين الحسابات المفتوحة في بعض الدول النامية ظلت خاملة أو منخفضة الاستخدام لسنوات.
وقد شهدت مصر خلال السنوات الأخيرة طفرة كبيرة في الحسابات البنكية والمحافظ الإلكترونية وبطاقات الدفع ونقاط البيع ، لكن لا يزال سحب الرواتب بالكامل فور إيداعها والاعتماد الكبير على الكاش ومحدودية الادخار المنتظم والتوسع في الاقتراض الاستهلاكي.
ويمكن حصر الأزمة فى عدد من الأسباب ، تتمثل في ثقافة الاعتماد على النقد ، ويزداد هذا السلوك خلال الأعياد بسبب العيديات وشراء مستلزمات العيد والهدايا والنفقات العائلية ، وضعف قبول المدفوعات الإلكترونية لدى بعض التجار ، وعدم توازن الأحمال على شبكة الصارف الآلي الـ ATM ، ومحدودية استخدام البدائل الرقمية رغم انتشار المحافظ الإلكترونية وتطبيقات الدفع وفجوة التثقيف المال ، فما زال كثير من العملاء لا يدركون مزايا الدفع الإلكتروني والخدمات البديلة للسحب النقدي.
إن الأمر يتطلب التحول إلي قياس من ماذا يملك العميل؟ إلى قياس كيف يستخدم العميل ما يملك؟، وبدلاً من قياس عدد المحافظ الإلكترونية يتم قياس عدد العمليات المنفذة فعلياً، وبدلاً من قياس عدد الحسابات يتم قياس متوسط العمليات لكل حساب، وبدلاً من قياس عدد بطاقات الدفع يتم قياس نسبة المشتريات الإلكترونية إلى السحب النقدي.
يحتاج الأمر إلى مؤشر وطني للاعتماد على النقد ليصبح أحد المؤشرات الرسمية التي تتابعها البنك المركزي المصري والجهات الرقابية والوزارات الاقتصادية بشكل دوري، تماماً كما يتم متابعة التضخم أو البطالة أو الشمول المالي، ويساعد فى تقييم نجاح الشمول المالي، وقياس أثر التحول الرقمي، وتحديد القطاعات الأكثر اعتماداً على النقد، وتوجيه السياسات والحوافز بصورة أكثر دقة وبحيث يعتمد المؤشر الوطني على قياس نسبة الاعتماد على النقد من خلال مقارنة إجمالي المعاملات النقدية إلى إجمالي المعاملات المالية في الاقتصاد ، بما يشمل السحب النقدي والمدفوعات بالبطاقات والمدفوعات عبر المحافظ الإلكترونية والتحويلات الإلكترونية والمدفوعات الفورية.
إن التحدي الحقيقي أمام القطاع المصرفي في المرحلة المقبلة يتمثل في الانتقال من شمول مالي قائم على الأرقام إلى شمول مالي قائم على الأثر والتغيير السلوكي، لأن التنمية الاقتصادية لا تتحقق بمجرد فتح الحسابات، وإنما تتحقق عندما تتغير قرارات الأفراد المالية ، بما يرفع كفاءة الادخار والاستثمار والاستهلاك والتغير الفعلي في السلوك الاقتصادي والمالي للمجتمع وليس فقط انتشار المنتجات المصرفية.
والله من وراء القصد،،
د. زكريا صلاح الجندى
الخبير المصرفي





