محمد عبد العال يكتب : بين تثبيت حذر وتشديد غير مرجح.. ماذا تتوقع الأسواق من اجتماع المركزي الخميس المقبل؟
القراءة الأعمق للبيانات الاقتصادية والنقدية تشير إلى أن السيناريو الأقرب يظل هو الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير

تتجه أنظار الأسواق المصرية خلال الأيام المقبلة إلى اجتماع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري يوم الخميس المقبل 21 مايو، وسط حالة من الجدل الواسع بشأن المسار القادم لأسعار الفائدة، بعد فترة اتسمت بتقلبات إقليمية ودولية حادة أعادت إشعال المخاوف التضخمية مؤقتاً، قبل أن تعود مؤشرات الأسعار إلى التباطؤ مجدداً بصورة فاقت توقعات كثير من المحللين.
وبينما يذهب البعض إلى احتمال عودة البنك المركزي لرفع أسعار الفائدة ، في ضوء تصاعد المخاطر الجيوسياسية وارتفاع توقعات التضخم في أحدث تقاريره، فإن القراءة الأعمق للبيانات الاقتصادية والنقدية تشير إلى أن السيناريو الأقرب يظل هو الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، مع استمرار تعليق دورة التيسير النقدي مؤقتاً، أي أن البنك المركزي قد يفضل في المرحلة الحالية “التثبيت الحذر”، لا العودة إلى التشديد النقدي.
لماذا تبدو احتمالات رفع الفائدة محدودة رغم ارتفاع توقعات التضخم؟
في ظاهر الأمر، قد يبدو تقرير السياسة النقدية الأخير أكثر ميلاً للتشدد، بعدما رفع البنك المركزي متوسط توقعاته للتضخم إلى 16% خلال 2026، و12% خلال 2027 مقابل تقديرات سابقة أقل بكثير ، كما أشار التقرير بوضوح إلى استمرار المخاطر الصعودية المرتبطة بالحرب الإقليمية، وأسعار الطاقة، واضطرابات الشحن، واحتمالات تشديد الأوضاع المالية العالمية.
لكن في تصوري، رغم ذلك، فإن هذه المعطيات لا تبدو كافية وحدها لدفع البنك المركزي نحو رفع أسعار الفائدة مجدداً، لثلاثة أسباب جوهرية:
أولاً: البنك المركزي صحيح رفع “التوقعات” لكنه لم يرفع “الواقع الحالي” وهذه نقطة شديدة الأهمية ، فالتقرير الأخير لم يقل إن التضخم انفجر فعلياً، بل قال إن “المخاطر الصعودية ما زالت قائمة إذا استمرت الصدمات الخارجية” ، أي أن البنك المركزي أعاد تسعير السيناريوهات المحتملة في ضوء الحرب والتوترات الجيوسياسية، وليس لأنه يرى أن الاقتصاد دخل بالفعل موجة تضخمية جديدة خارجة عن السيطرة.
بل على العكس، جاءت أحدث البيانات الفعلية لتظهر تباطؤ التضخم العام السنوي إلى 14.9%، وانخفاض التضخم الأساسي إلى 13.8%، مع هبوط واضح في المعدلات الشهرية لكليهما ، وهذا يعني أن الضغوط التضخمية الفعلية كانت حتى الآن أقل حدة من المخاوف النظرية التي بُنيت عليها السيناريوهات التحوطية.
ثانياً: التضخم الأساسي بعث برسالة مطمئنة للبنك المركزي، وربما تكون هذه النقطة الأكثر أهمية في المشهد كله ، فالتضخم العام قد يتأثر بعوامل مؤقتة، كالغذاء، الطاقة، والنقل، أو الصدمات الجيوسياسية ، لكن التضخم الأساسي، الذي يستبعد العناصر الأكثر تقلباً، يُعد المؤشر الأقرب لقياس “مدى ترسخ الضغوط التضخمية داخل الاقتصاد”.
ومن هنا جاءت أهمية الإعلان عن تراجع التضخم الأساسي شهرياً من 2% إلى 1.1%، وسنوياً من 14% إلى 13.8% ، فهذه الأرقام تعكس أن الاقتصاد لم يدخل حتى الآن مرحلة “التضخم الراسخ أو العميق”، وأن انتقال الصدمات الخارجية إلى باقي الأسعار ما زال محدوداً نسبياً.
ثالثاً: السياسة النقدية الحالية بالفعل شديدة التقييد. فأسعار الفائدة الحقيقية في مصر أصبحت مرتفعة بصورة واضحة مقارنة بالتضخم الحالي والمتوقع، خصوصاً بعد تباطؤ التضخم خلال الأشهر الأخيرة ، كما أن أثر التشديد النقدي السابق لم يكتمل بالكامل بعد، نظراً لما يعرف “بفجوة انتقال أثر السياسة النقدية” ، أي أن تأثير رفع الفائدة يظهر تدريجياً على مدار فترات طويلة، وبالفعل بدأت تظهر آثار ذلك في تباطؤ الطلب، تراجع الائتمان الاستهلاكي، وضعف النشاط الخاص، والانخفاض الملحوظ في مؤشر مديري المشتريات PMI، وهو ما يعكس دخول الاقتصاد مرحلة أكثر هدوءاً من ناحية الطلب المحلي، بما يقلل الحاجة إلى مزيد من التشديد النقدي حالياً.
هناك نقطة جوهرية يتعين إدراكها في قراءة السياسة النقدية الحالية، وهي أن البنك المركزي المصري لم يعد يعتمد فقط على رفع أسعار الفائدة الرسمية كأداة وحيدة لسحب السيولة وتشديد الأوضاع النقدية.
فخلال الفترة الماضية، سمح البنك المركزي للبنوك العامة والخاصة بطرح أوعية ادخارية مرتفعة العائد بصورة استباقية، وهو ما ساهم فعلياً في امتصاص جزء معتبر من السيولة، وتشجيع الادخار بالجنيه، والحد من الدولرة والمضاربة، وتقوية جاذبية العملة المحلية، وذلك دون الحاجة إلى رفع إضافي مباشر في أسعار الفائدة الرسمية ، وبالتالي نجح البنك المركزي عملياً في تحقيق جزء من أثر “التشديد النقدي” عبر أدوات غير مباشرة وأدوات ادخارية أكثر مرونة، وبكلفة أقل نسبياً على النشاط الاقتصادي مقارنة برفع الفائدة الرسمية بصورة متكررة.
على الجانب الآخر: لماذا يبدو “التثبيت” أكثر منطقية من “الخفض” أيضاً؟
رغم التحسن الأخير في التضخم، فإن البنك المركزي على الأرجح ربما لن يتعجل استئناف خفض الفائدة الآن ، وذلك لأن البيئة الخارجية ما زالت شديدة الحساسية، فالحرب لم تُغلق ملفاتها بالكامل وتدفقات المحافظ الأجنبية ما زالت قابلة للتقلب، والفيدرالي الأمريكي نفسه لم يتحول بقوة نحو التيسير النقدي حتى الآن.
وبالتالي فإن خفض الفائدة حالياً قد يبعث برسالة مبكرة للأسواق بأن البنك المركزي أصبح أكثر تساهلاً تجاه التضخم، وهو ما قد يضغط على سعر الصرف ويؤثر على استقرار التدفقات الأجنبية. لذلك يبدو السيناريو الأقرب هو “تثبيت بطابع حذر”، وليس رفعاً جديداً، ولا استئنافاً سريعاً للتيسير.
هل يمكن أن يمدد البنك المركزي النطاق الزمني لمستهدفات التضخم؟
هذا احتمال مهم للغاية، وربما يكون أحد التطورات الأكثر ترجيحاً خلال المرحلة المقبلة ، ففي ضوء الصدمات الجيوسياسية، وتقلبات الطاقة العالمية، وطبيعة الاقتصاد العالمي الحالية، قد يتجه البنك المركزي إلى تمديد الأفق الزمني لتحقيق مستهدفاته التضخمية، دون تعديل جوهري في الأرقام المستهدفة نفسها، أي الحفاظ على المستهدف النهائي، لكن مع منح الاقتصاد فترة زمنية أطول للوصول إليه بصورة أكثر استدامة وواقعية.
في ضوء ما سبق، تبدو السياسة الحالية أقرب إلى “إدارة دقيقة للتوازن بين مكافحة التضخم والحفاظ على النمو والاستقرار النقدي” ، وبالتالي، فإن لجنة السياسة النقدية المنبثقة عن مجلس إدارة البنك المركزي المصري في اجتماعها التالي قد ترى أن الإبقاء على الأوضاع النقدية الحالية كافٍ في هذه المرحلة.
محمد عبد العال
خبير مصرفي





