محمد عبد العال يكتب : مرونة سعر الصرف تقود التعافي
كيف يعيد البنك المركزي صياغة استقرار الجنيه وثقة الأسواق؟

في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، تجاوزت كلمة حسن عبد الله، محافظ البنك المركزي المصري ومحافظ مصر لدى صندوق النقد الدولي، عبر تقنية الفيديو كونفرانس في اجتماع محافظي البنوك المركزية ووزراء مالية مجموعة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأفغانستان وباكستان (MENAP)، ضمن فعاليات اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين لعام 2026، حدود العرض التقليدي للأرقام.
أكدت الكلمة أن السياسة النقدية في مصر دخلت مرحلة أكثر نضجًا، قوامها الانتقال من إدارة الأزمات إلى إدارة التوقعات. الخطاب لم يأتِ فقط لتوصيف الوضع الاقتصادي، بل أعاد تقديم الاقتصاد المصري أمام الأسواق والمؤسسات الدولية باعتباره اقتصادًا أكثر قدرة على التكيف، مدعومًا بإطار واضح يجمع بين استهداف التضخم ومرونة سعر الصرف.
من هذا المنطلق، برزت مرونة سعر الصرف كمحور أكثر أهمية في الخطاب، ليس كشعار إصلاحي، بل كآلية تشغيل فعلية أثبتت قدرتها على التعامل مع الصدمات.
أشار المحافظ إلى تعافي الجنيه المصري واسترداده نحو 50% من خسائره خلال أيام قليلة، وهو تطور لا يمكن تفسيره إلا في إطار نظام يسمح للسعر بالحركة في الاتجاهين وفقًا للمعطيات الاقتصادية.
حينما كانت أخبار المُسيرات والصواريخ تفرض نفسها على فضائيات العالم، كان الجنيه المصري، أسوة بكل عملات العالم، ينخفض مقابل الدولار الأمريكي ، وعندما تم الإعلان عن وقف إطلاق النار وصمتت المدافع، تحسن الجنيه.
ما حدث هو استجابة سريعة لتقلص التوترات عند مضيق هرمز وتزايد فرص نجاح المفاوضات الإقليمية.
الجنيه المصري بدأ يجني ثمار “المرونة السعرية” التي تجعله يتأثر إيجاباً بالأنباء الجيدة، تماماً كما يتأثر بالأزمات.
بالتالي، تزداد الثقة فيه من قبل المستثمرين المحليين والدوليين كعملة قادرة على امتصاص تأثير الصدمات وعدم إمكانية تولد سوق موازٍ، وتأكيد سيادة سوق ما بين البنوك كسوق وحيد وموحد للنقد الأجنبي في مصر.
هذه النقطة تحديدًا تعكس تحولًا جوهريًا في فلسفة إدارة سعر الصرف، حيث لم يعد الهدف الدفاع عن مستوى معين للعملة، بل تمكينها من امتصاص الصدمات والتفاعل معها، وهو ما يسرّع من وتيرة التعافي بدلًا من تأجيله.
هذا التحول يتكامل مع تطورات أخرى لا تقل أهمية، أبرزها التراجع الكبير في معدلات التضخم من مستويات قياسية بلغت 38% إلى نحو 11% في يناير 2026، إلى جانب الارتفاع التاريخي في الاحتياطيات الدولية لتصل إلى 53 مليار دولار.
هذه مؤشرات لم تُطرح بمعزل عن السياق، بل لتأكيد أن مرونة سعر الصرف لم تأتِ على حساب الاستقرار، بل كانت أحد أدوات تحقيقه، في إطار سياسة نقدية تستهدف في المقام الأول تثبيت توقعات التضخم عند مستويات منضبطة.
في مواجهة التوترات الجيوسياسية وتداعياتها على تدفقات رؤوس الأموال والميزان الخارجي، أوضح الخطاب أن الاقتصاد المصري بات أكثر قدرة على امتصاص الصدمات مقارنة بالماضي، وهو ما يعكس نجاح مزيج السياسات المتبعة.
بدلًا من استنزاف الاحتياطيات للدفاع عن العملة، أصبح سعر الصرف نفسه أداة للتكيف، بينما يظل دور البنك المركزي متمثلًا في الحفاظ على استقرار التوقعات وضبط الإيقاع النقدي وفقًا للمتغيرات.
كما حملت الكلمة رسائل واضحة إلى المجتمع الدولي، وفي مقدمته صندوق النقد الدولي، مفادها أن مصر ماضية في مسار الإصلاح، وأن الشراكة مع المؤسسات الدولية تظل عنصرًا مهمًا في توفير السيولة وتعزيز القدرة على مواجهة الصدمات الممتدة.
وتكتسب هذه الرسائل مصداقية إضافية في ضوء ما تشير إليه تقارير مؤسسات التصنيف الائتماني الدولية من تحسن في أوضاع القطاع المصرفي، سواء من حيث مستويات السيولة أو جودة الأصول، بما يعزز قدرة النظام المالي ككل على دعم استقرار الاقتصاد.
في المجمل، يعكس الخطاب إعادة تعريف دقيقة لمفهوم الاستقرار النقدي ، فالثبات لم يعد يعني تجميد المتغيرات، بل القدرة على التكيف السريع معها دون فقدان السيطرة.
ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي لم يعد على مستوى سعر الصرف في حد ذاته، بل على كفاءة الإطار الذي يحكم حركته ، وهي رسالة تؤكد أن مصر لا تدير سعر الصرف، بقدر ما تدير اقتصادًا أصبح أكثر مرونة وقدرة على امتصاص الصدمات واستعادة التوازن بثقة.
محمد عبد العال
خبير مصرفي





