محمد عبد العال يكتب : كيف تنتقل الأزمة العالمية الراهنة إلى “جيب” المواطن .. وهل يمكن كسر الدائرة؟
إعادة ترتيب الأولويات والتوجه نحو البدائل المحلية وتجنب الشراء بدافع الخوف يمكن أن تلعب دورًا حقيقيًا في تخفيف حدة الموجة التضخمية

لم تعد أزمة ارتفاع الأسعار مجرد ظاهرة اقتصادية عابرة، بل أصبحت واقعًا يوميًا يفرض نفسه على كل بيت، ويطرح تساؤلًا جوهريًا ، وهو كيف تتحرك موجة الغلاء ؟ من يدفع قيمتها في النهاية؟ والأهم… هل يمكن كسر هذه الدائرة؟
الحقيقة أن الأسعار لا ترتفع فجأة، بل تتحرك في سلسلة تبدأ من الخارج وتنتهي في جيب المواطن.
لنأخذ مثالًا من الواقع المصري:
عندما ترتفع أسعار النفط عالميًا، تتحرك الحكومة لرفع أسعار الوقود والكهرباء لمواكبة التكلفة ، هنا تبدأ الحلقة الأولى ، بعد ذلك، ترتفع تكلفة النقل، فترتفع معها تكلفة السلع ، ثم تنتقل الزيادة إلى المصانع، حيث ترتفع تكلفة الإنتاج نتيجة زيادة أسعار الطاقة ومدخلات التشغيل ، و في المرحلة التالية، يضطر التاجر إلى رفع الأسعار للحفاظ على هامش الربح في ظل ارتفاع التكلفة ، وأخيرًا تصل الفاتورة إلى المواطن.
لكن الحقيقة الأهم أن كل حلقة في هذه السلسلة لا تنقل التكلفة فقط، بل تضيف إليها جزءًا من “هامش الأمان” أو معامل المخاطر، تحسبًا لأي زيادات قادمة. هذا يفسر أحيانًا شعور الناس بأن الأسعار ترتفع بوتيرة أسرع من الأسباب المعلنة.
هذه السلسلة لا تعمل بشكل ميكانيكي فقط، بل تتسارع بفعل عاملين مهمين ، وهما سعر الصرف، الذي يرفع تكلفة الاستيراد ، وسلوك السوق، حيث تؤدي التوقعات بارتفاع الأسعار إلى تسريع زيادتها، سواء من خلال رفع هامش الأمان لدى المنتجين والتجار، أو عبر تخزين المستهلكين للسلع.
وهنا تتضح حقيقة مهمة: التضخم في ظل ظروف التوترات الجيوسياسية ليس مجرد نتيجة للتكلفة الفعلية أو ظروف العرض والطلب فقط، بل هو مزيج من ارتفاع تكلفة الإنتاج المحلي والمستورد ، و تأثير تغيرات سعر الصرف ، والتحوط ضد توقعات المخاطر المستقبلية ، وسلوك المستهلكين ، فالمواطن في مثل تلك الظروف الحرجة لا يكون فقط متلقيًا للتضخم، بل قد يكون أحد صانعيه دون أن يقصد.
كل تلك العوامل تجعل التعامل مع ظاهرة غلاء الأسعار أكثر تعقيدًا من مجرد قرارات تقليدية في ظروف العمل العادية.
ويأتي السؤال الأهم: ليس لماذا لم ننجح بالكامل حتى الآن؟ بل لماذا كانت كل محاولة إصلاح تُقابل بموجة جديدة من الصدمات؟
لو فكرنا قليلاً سنجد أن جزءًا من المشكلة ناتج من تراكمات هيكلية تاريخية، وجزء كبير ناتج من تتابع صدمات غير مسبوقة عالميًا. إنها ليست مسألة فشل بقدر ما هي بيئة عمل شديدة القسوة.
هناك بلا شك تحديات هيكلية تراكمت عبر عقود، لكن في المقابل، لا يمكن إغفال أن كل محاولة إصلاح اقتصادي خلال السنوات الأخيرة واجهت موجات متلاحقة من الصدمات الخارجية غير المسبوقة، بدءًا من جائحة كورونا، مرورًا بالحرب الروسية الأوكرانية، وصولًا إلى موجات التضخم العالمية والتوترات الجيوسياسية المتوقعة كرد فعل لتداعيات الصراع الأمريكي الإسرائيلي الإيراني ، هذا جعل الاقتصاد يتحرك في بيئة شديدة التعقيد، تتطلب حلولًا مرنة أكثر من كونها حلولًا تقليدية.
ومن هنا، يصبح السؤال الأهم ، هل الحل فقط في “زيادة الإنتاج” كما يُقال دائمًا؟ أم أن هناك مسارات أخرى يمكن أن تحقق أثرًا أسرع وأكثر واقعية؟.
في الظروف الحالية، يتعين أن نقتبس بعض مبادئ اقتصاد الحرب، ونتحول من الشعارات العامة إلى سياسات وأهداف عملية مرنة، قابلة للتنفيذ والقياس، وموضوعة وفقًا لأولويات المرحلة، مع توفير احتياجات التمويل الذاتي بعيدًا عن الاعتماد على التمويل بالديون الخارجية.
كثيرًا ما نقول لابد من زيادة الإنتاج، وهو شعار براق لكنه فضفاض ، لماذا لا نكسر هذا النمط التقليدي ونقول بدلًا من ذلك كيف نقلل فاتورة الاستيراد والطاقة فورًا وبحلول واقعية؟.
فعلى سبيل المثال، لماذا لا تتحول الطاقة الشمسية من متطلب اختياري إلى سياسة عامة؟
مصر تمتلك واحدة من أعلى معدلات سطوع الشمس عالميًا، ومع ذلك لا يزال الاعتماد عليها محدودًا نسبيًا. إن تبني سياسة تلزم المشروعات العقارية الجديدة باستخدام الطاقة الشمسية، إلى جانب تقديم قروض ميسرة للأسر لتبنيها، يمكن أن يساهم خلال سنوات قليلة في خفض استهلاك الكهرباء التقليدية، وتقليل الضغط على الوقود المستورد، وبالتالي تخفيف العبء على الموازنة العامة.
الأمر نفسه ينطبق على قطاع النقل. فبينما يتم رفع أسعار النقل الجماعي أحيانًا لمواكبة التكاليف، فإن التفكير الاقتصادي الأشمل قد يقود إلى نتيجة مختلفة ، فخفض تكلفة النقل الجماعي قد يكون أكثر كفاءة على المدى المتوسط، لأنه يشجع شرائح أوسع من المواطنين على ترك السيارات الخاصة، مما يؤدي إلى تقليل استهلاك الوقود، وبالتالي خفض فاتورة الاستيراد من البنزين والسولار. هنا تتحقق معادلة مختلفة، حيث تتحمل الدولة جزءًا من التكلفة المباشرة، لكنها توفر على نفسها تكلفة أكبر في النقد الأجنبي.
كما أن تشجيع استخدام وسائل بديلة مثل الدراجات و(الاسكوتر)، خاصة في المدن الجديدة أو المناطق القابلة لذلك، لا يمثل فقط حلًا بيئيًا، بل هو أيضًا قرار اقتصادي يقلل من الضغط على الطاقة والنقل.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال دور المواطن، ولكن بشكل واقعي بعيدًا عن الطرح النظري. فالمواطن – كما سبق القول – ليس فقط متلقيًا للتضخم، بل قد يساهم في تسريعه دون قصد، من خلال سلوكيات مثل التخزين المفرط أو الاستهلاك غير الرشيد.
ومن هنا، فإن إعادة ترتيب الأولويات، والتوجه نحو البدائل المحلية، وتجنب الشراء بدافع الخوف، يمكن أن تلعب دورًا حقيقيًا في تخفيف حدة الموجة التضخمية.
محمد عبد العال
خبير مصرفي





