محمد عبد العال يكتب : هل يخطط البنك المركزى لتمديد مستهدفاته للتضخم؟

حديث البنك المركزى عن المخاطر الصعودية لا يعنى تخليه عن مستهدفاته بقدر ما يعكس إدراكًا متزايدًا بأن تحقيقها قد يستغرق وقتًا أطول مما كان متوقعًا

في ظاهر الأمر، بدا قرار البنك المركزى المصرى الأخير مجرد “تعليق” لأسعار الفائدة دون تغيير، وهو ما قد يراه البعض استمرارًا لنهج الترقب والانتظار ، غير أن قراءة متأنية لنص البيان تكشف عن دلالة أعمق بكثير، تجسدت فى عبارة شديدة الأهمية مفادها أن مسار التضخم أصبح عُرضة لمجموعة متزايدة من المخاطر الصعودية.

هذه العبارة، رغم بساطتها الظاهرية، تمثل فى واقع الأمر تحولًا نوعيًا فى نبرة السياسة النقدية، وتنقل النقاش من مجرد قرار فائدة إلى تقييم شامل لمستقبل التضخم فى الاقتصاد المصرى فى ظل تداعيات الحرب الإيرانية على المدى القصير والمتوسط .

ولفهم أبعاد هذه العبارة ، من المهم التذكير بأن البنك المركزى لا يستهدف رقمًا جامدًا للتضخم، بل يعمل وفق إطار متكامل يهدف إلى تحقيق استقرار الأسعار على المدى المتوسط، بما يدعم النمو الاقتصادى ويضبط توقعات السوق.

ومن هذا المنطلق، تم تحديد مستهدف للتضخم عند مستوى 7% ±2% فى المتوسط خلال الربع الرابع من عام 2026، وهو مستهدف لا يُنظر إليه كرقم لحظى، بل كمسار تدريجى يتطلب توازنًا دقيقًا بين احتواء الضغوط التضخمية وتجنب إحداث تباطؤ حاد فى النشاط الاقتصادى.

وإذا نظرنا إلى التطور التاريخى لهذه المستهدفات، تتضح الصورة بشكل أكبر؛ فقد استهدف البنك المركزى خفض التضخم إلى نحو 13% ±3% فى 2018، ثم إلى 9% ±3% فى 2020، ثم إلى 7% ±2% فى 2022، قبل أن يتم إعادة ضبط المسار لاحقًا ليشمل 7% فى 2024، ثم 7% فى 2026، وصولًا إلى 5% مستهدفًا فى 2028 ، وهذا التسلسل لا يعكس مجرد أرقام، بل يكشف عن فلسفة واضحة تقوم على التدرج والمرونة، حيث يتم تعديل الأفق الزمنى كلما واجه الاقتصاد صدمات استثنائية.

غير أن هذا المسار لا يتحقق دائمًا وفقاً لظروف بيئة العمل ، حيث يواجه الاقتصاد بطبيعته نوعين من العوامل ، عوامل يمكن للسياسة النقدية التأثير فيها مثل أسعار الفائدة والسيولة، وأخرى تخرج عن نطاق سيطرتها، كالتقلبات فى أسعار الطاقة العالمية، والتوترات الجيوسياسية، وإجراءات ضبط المالية العامة ، وفى مثل هذه الحالات، يكون البنك المركزى مستعداً بحدوث انحراف مؤقت ومحسوب عن رقم التضخم المستهدف، طالما لم يتحول إلى اتجاه دائم يهدد استقرار الأسعار.

وهنا تأتى أهمية الإشارة إلى عبارة “المخاطر الصعودية” ، التى وردت فى سياق البيان ، والتى تعنى ببساطة أن احتمالات ارتفاع التضخم أصبحت أكبر من احتمالات تراجعه، أى أن ميزان المخاطر لم يعد متوازنًا كما كان.

ويرتبط ذلك بعدة عوامل متداخلة، فى مقدمتها استمرار التوترات الإقليمية، وما يصاحبها من اضطرابات فى سلاسل الإمداد وارتفاع فى تكاليف الشحن والطاقة، وهو ما ينعكس مباشرة فى صورة تضخم مستورد ، كما تلعب إجراءات ضبط المالية العامة دورًا مهمًا فى هذا السياق، حيث تؤدى بطبيعتها إلى زيادات سعرية انتقالية، رغم أهميتها على المدى الطويل فى تحقيق الاستقرار المالى.

ولا يقل أهمية عن ذلك عامل “توقعات التضخم”، الذى يمثل أحد أخطر محركات الأسعار، إذ أن ترسخ الاعتقاد باستمرار ارتفاعها يدفع الشركات إلى رفع أسعارها بشكل استباقى، كما يدفع المستهلكين إلى تسريع قرارات الشراء، وهو ما يخلق حلقة تضخمية يصعب كسرها دون تدخل نقدى حاسم.

فى ضوء هذه المعطيات، لا يعنى حديث البنك المركزى عن المخاطر الصعودية تخليه عن مستهدفاته، بقدر ما يعكس إدراكًا متزايدًا بأن تحقيقها قد يستغرق وقتًا أطول مما كان متوقعًا ، وهنا يصبح الرجوع إلى السلوك التاريخى للبنك المركزى أمرًا كاشفًا، حيث يتضح أنه يميل فى مواجهة الصدمات إلى تمديد الأفق الزمنى للمستهدفات بدلاً من تعديلها جذريًا، وهو ما ظهر جليًا فى الانتقال التدريجى من مستهدفات 2022 إلى 2024 ثم إلى 2026 و2028.

وانطلاقًا من هذا النمط، يبرز سيناريو واقعى يتمثل فى إمكانية تمديد الإطار الزمنى الحالى، بحيث يظل مستهدف 7% قائمًا ولكن مع إرجاء تحقيقه إلى ما بعد 2026 إذا استمرت الضغوط الحالية، على أن يتم الحفاظ على المسار النزولى نحو 5% على مدى زمنى أطول.

مثل هذا التعديل لا يعكس تراجعًا عن الهدف، بل يعكس إعادة معايرة تتسق مع طبيعة الصدمات، وتجنب الاقتصاد تكلفة تشديد مفرط قد يضر بالنشاط الاقتصادى.

وفى هذا السياق، تحمل نبرة البيان رسالة ضمنية مهمة مفادها أن دورة التيسير النقدى قد لا تكون وشيكة كما كان يتوقع البعض، بل قد يتم تأجيلها لحين اتضاح مسار التضخم بشكل أكبر ، بل إن الباب لم يُغلق بالكامل أمام احتمالات العودة إلى التشديد النقدى إذا ما تصاعدت الضغوط بشكل يفوق التوقعات، وإن كان ذلك يظل سيناريو احترازيًا وليس المسار الأساسى.

فى النهاية، يمكن القول إن البيان الأخير للبنك المركزى لا يعكس مجرد قرار بتعليق أسعار الفائدة، بل يكشف عن دخول السياسة النقدية مرحلة، تتسم بارتفاع درجة عدم اليقين وتزايد المخاطر المحيطة بمسار التضخم.

وفى هذا الإطار، لم يعد السؤال الرئيسى هو ما إذا كان البنك المركزى سيواصل مساره نحو خفض التضخم، بل أصبح يتعلق بقراراته الصائبة ، اثناء إدارة المخاطر المحيطة بمسار التضخم ، وأيضاً اختياراته فى تحقيق مستهدفاته فى ظل أفق زمنى مناسب ، وربما يكون الأهم من ذلك أن الطريق إلى معدل تضخم مستقر لم يعد ممهدًا كما كان، بل أصبح يتطلب مرونة محسوبة ، وحذرًا استباقيًا فى آن واحد.

محمد عبد العال

خبير مصرفي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى