محمد عبد العال يكتب : مصر أقوى أمام الصدمات لكن اليقظة مطلوبة

قراءة في تقرير مورجان ستانلي حول انعكاسات المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران على الاقتصاد المصري

في ذروة توتر إقليمي يعيد رسم حسابات القوى الدولية، أصدر بنك الاستثمار العالمي مورجان ستانلي تقريرًا تحليليًا واسعًا حول انعكاسات المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران على الاقتصاد المصري.

ورغم أن مصر ليست طرفًا في الأزمة، فإن موقعها الاستراتيجي واعتمادها على واردات الطاقة وحساسيتها للتدفقات الأجنبية يضعها في منطقة “التأثر غير المباشر” بكل تحولات المشهد الإقليمي.

التقرير لا يكتفي بوصف الحالة الراهنة، بل يرسم 4 سيناريوهات محتملة للتصعيد، من التهدئة السريعة وحتى المواجهة الشاملة، ويحدد أثر كل منها على الجنيه، والسندات السيادية، وميزان المدفوعات، ومستوى التضخم. في هذا المقال نعرض أهم ما جاء في التقرير، مع قراءة تحليلية لمدى واقعية هذه السيناريوهات بالنسبة لمصر خلال الفترة المقبلة.

أولاً: لماذا تُعد مصر حساسة للتطورات الحالية؟

يؤكد التقرير أن الروابط التجارية المباشرة بين مصر وإيران شبه معدومة ، حيث لا تتجاوز الواردات من إيران 0.01% من إجمالي الواردات ، وبالتالي فإن الخطر لا يأتي من خطوط التجارة المباشرة، بل من 3 قنوات حساسة:

 أسعار الطاقة : القناة الأكثر تأثيرًا

تستورد مصر جانبًا كبيرًا من احتياجاتها البترولية، ومع ارتفاع خام برنت إلى نطاق 60–75 دولارًا للبرميل في الربعين الثاني والثالث من عام 2026، يرجّح التقرير أن تزداد فاتورة استيراد الطاقة بما يتراوح بين 400–600 مليون دولار فوق التقديرات الحالية، وقد تصل إلى 1–2.4 مليار دولار في سيناريوهات التصعيد الأوسع.

ورغم توقيع القاهرة لعقد طويل الأجل لاستيراد الغاز من إسرائيل، فإن أي تعطّل في الإمدادات سيؤدي إلى زيادة الاعتماد على الغاز المسال من الأسواق الفورية، وهو ما يضاعف التكلفة ويضغط على الميزان الخارجي.

السياحة: قطاع مرن ولكن ليس بلا حدود

سجلت مصر إيرادات سياحية قياسية بلغت 16.4 مليار دولار في العام المالي 2024/2025، رغم الصدمات الجيوسياسية في المنطقة. ويتوقع التقرير أن يستمر الزخم مع افتتاح المتحف المصري الكبير.

إلا أن السيناريوهات الأكثر حدة، خصوصًا إذا امتد التصعيد إلى موسم الذروة في الربع الثالث من 2026، قد تضغط على القطاع وتؤخر تحقيق مستهدفات النمو.

 قناة السويس: مركز الثقل الجيوسياسي

تتوقع مورجان ستانلي تعافي إيرادات القناة بالكامل بحلول النصف الثاني من 2026، لكن أي اضطراب جديد في طرق الملاحة البحرية، أو تهديدات في مضيق هرمز أو باب المندب، قد يؤجل التعافي إلى 2027 ، وتظل القناة واحدة من أكثر بنود الحساب الجاري حساسية لأي توترات إقليمية.

ثانيًا: التضخم .. الضغوط القادمة من بوابة الطاقة

يشير التقرير إلى أن كل زيادة قدرها 10% في أسعار الطاقة ترفع التضخم غير الغذائي بنحو 1 نقطة مئوية خلال أربعة أشهر. ورغم التزام الحكومة بتثبيت أسعار الوقود حتى أكتوبر 2026، فإن ارتفاعًا جديدًا في أسعار النفط قد يدفع متوسط التضخم المتوقع للعام إلى 11.5% بدلًا من 10.5%، وربما يحد من قدرة البنك المركزي على استئناف دورة خفض أسعار الفائدة.

ثالثًا: الوضع المالي.. تحسن ملحوظ لكنه غير محصن

تشير مورجان ستانلي إلى نجاح مصر في تحقيق خطوات ملموسة خلال العام المالي 2025/2026، تشمل ، سداد 5 مليارات دولار من مستحقات شركات الطاقة الأجنبية ، تقليص المتأخرات إلى 1.2 مليار دولار فقط ، ارتفاع الإيرادات الضريبية بنسبة 31%.

وبناء على ذلك، يتوقع التقرير أن تكون الضغوط المالية الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط “قابلة للإدارة” في السيناريوهات الهادئة والمتوسطة. أما السيناريوهات العنيفة فقد تؤدي إلى تآكل جزء من المكاسب وقد تهدد الوصول إلى الفائض الأولي المستهدف عند 4%.

رابعًا: السيناريوهات الأربعة وتأثيرها على الجنيه وسندات مصر

تصنف مورجان ستانلي مسار الأحداث إلى 4 سيناريوهات:

السيناريو الأول: تهدئة سريعة “الأفضل لمصر”

تضييق فروق العائد على السندات 20–30 نقطة

ارتفاع احتمالات ترقية التصنيف الائتماني

تراجع سعر الدولار أمام الجنيه بنسبة 4–5%

التحليل:

هذا السيناريو ممكن، لكنه أقل ترجيحًا من السيناريو الثاني لأن الأطراف تسعى لتحقيق “ردع متبادل” قبل العودة إلى المسار السياسي.

السيناريو الثاني: ضربات محدودة ورد محسوب “لأكثر احتمالًا”

اتساع مؤقت لفروق العائد 30–40 نقطة

ضعف طفيف للجنيه 1–2%

استقرار سريع إذا توقفت الضربات

التحليل:

هذا هو السيناريو الأقرب للوقوع خلال الأسابيع المقبلة، نظرًا لأن الجميع يدرك كلفة الذهاب إلى مواجهة شاملة ، كما أن الأسواق تعاملت مع سيناريو مشابه في يونيو 2025 وعادت للاستقرار بسرعة.

السيناريو الثالث: عمليات عسكرية أوسع داخل إيران

اتساع أكبر للفروق 70–80 نقطة

ضعف الجنيه 3–4%

ضغوط على قناة السويس والسياحة وارتفاع في تكلفة الطاقة

التحليل:

هذا السيناريو وارد إذا حدث خطأ في الحسابات بين الجانبين. لكنه أقل ترجيحًا، نظرًا لأن واشنطن وطهران تدركان أن التوسع قد يشعل مواجهة إقليمية أوسع.

السيناريو الرابع: مواجهة شاملة “الأقل احتمالاً والأكثر كلفة”

اتساع فروق العائد بأكثر من 250 نقطة

انخفاض الجنيه 8%

خروج للتدفقات المالية وتراجع مصادر النقد الأجنبي

التحليل:

لا يُرجّح هذا السيناريو إلا إذا تعرضت الولايات المتحدة أو إسرائيل لهجوم كبير غير مسبوق يستدعي ردًا واسعًا. ورغم انخفاض احتماله، فإن تأثيره سيكون الأعنف على الأسواق الناشئة ومنها مصر.

خامسًا: ما السيناريو الأكثر واقعية لمصر؟

بعد مقارنة المعطيات العسكرية والسياسية وسلوك الأسواق، يمكن القول إن السيناريو الأكثر واقعية هو السيناريو الثاني “التصعيد المحدود”.

ويرجع ذلك إلى رغبة الأطراف في تحقيق ردع دون الانزلاق لحرب شاملة ، محدودية استهداف البنية التحتية للطاقة حتى الآن ، استجابة الأسواق العالمية الهادئة نسبيًا ، عدم ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات تشير إلى توقع مواجهة كبيرة.

بينما يبقى السيناريو الثالث احتمالًا قائمًا لكنه يتطلب تحولات أكبر في مستوى المواجهة.

خلاصة: مصر أقوى أمام الصدمات لكن اليقظة مطلوبة

يخلص التقرير إلى أن الاقتصاد المصري يتحرك الآن من موقع أكثر قوة مقارنة بالأعوام السابقة ، بفضل تحسن مركز الطاقة، ارتفاع الفائض الأولي، ومصداقية السياسة النقدية.

لكن مسار الجنيه، والفروق الائتمانية، وتدفقات النقد الأجنبي سيظل مرتبطًا بدرجة كبيرة بمدى اتساع دائرة التصعيد في المنطقة.

ومع أن السيناريوهات الخطيرة ليست هي الأرجح، إلا أن إدارة المخاطر تبقى ضرورية، خاصة فيما يتعلق بأسعار الطاقة وتعافي قناة السويس وتدفقات المحافظ، وهي مفاتيح الاستقرار الخارجي في المرحلة المقبلة.

محمد عبد العال

خبير مصرفي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى