دكتورة شيماء وجيه تكتب : الشريحتان الخامسة والسادسة لصندوق النقد الدولي لحظة اختبار للنضج الاقتصادي
فإما أن تتحول الإصلاحات إلى بنية مؤسسية دائمة تعزز الاستقرار والتنافسية، أو تظل إجراءات مرحلية مرتبطة ببرنامج زمني محدد

في المراحل المتقدمة من أي برنامج إصلاحي تتغير طبيعة العلاقة بين الدولة والمؤسسة الدولية ، من كونها علاقة تمويلية إلى شراكة مشروطة بقياس جودة التحول الهيكلي.
وتمثل الشريحتان الخامسة والسادسة من برنامج التعاون مع صندوق النقد الدولي نقطة فاصلة في هذا السياق ، إذ لم تعد المسألة مرتبطة فقط باستمرار التدفقات، بل بمدى ترسخ الإصلاحات داخل البنية الاقتصادية ذاتها.
التمويل في مرحلته المتقدمة تثبيت الثقة لا سد الفجوة التمويلية
في البدايات، يكون التمويل موجها لسد فجوات عاجلة في ميزان المدفوعات أما في الشريحتين الخامسة والسادسة، فيتحول دوره إلى تثبيت مصداقية المسار الإصلاحي كما ان انتظام الصرف يعكس التزاما مؤسسيًا مستداما ويمنح الأسواق الدولية إشارة واضحة بأن السياسات الاقتصادية أصبحت أكثر اتساقا وقابلية للتنبؤ.
كما أن القيمة الحقيقية هنا ليست في الرقم المالي، بل في خفض علاوة المخاطر السيادية، وتحسين قدرة الدولة على إعادة التمويل بشروط أكثر توازنا، وهو ما ينعكس مباشرة على تكلفة رأس المال في الاقتصاد ككل.
ضبط المالية العامة و التحول من التقشف إلى الكفاءة
إن المرحلة الحالية من البرنامج تركز على تحقيق فائض أولي مستدام، وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام بما يضمن توجيه الموارد نحو الاستثمار المنتج بدلا من الاستهلاك الجاري ، و هذا التحول يعزز استدامة الدين العام، ويحد من مزاحمة القطاع الخاص على التمويل المحلي.
و المعادلة الدقيقة تكمن في تحقيق الانضباط المالي دون كبح النشاط الاقتصادي ، فإذا نجحت السياسات في تحقيق هذا التوازن فإن أثر الشريحتين سيمتد إلى تحسين مناخ الاستثمار الداخلي، لا مجرد استقرار المؤشرات الكلية.
مرونة الصرف .. آلية تصحيح تلقائي لا قرار إداري
إن ترسيخ مرونة سعر الصرف يمثل أحد الأعمدة الجوهرية في هذه المرحلة فالسوق القادر على امتصاص الصدمات الخارجية من خلال آلية سعر مرن يخفف الحاجة إلى تدخلات مكلفة في الاحتياطيات.
لكن الاستدامة لا تتحقق بتحرير السعر فقط، بل بتعزيز قدرة الاقتصاد على توليد موارد دولارية إنتاجية فكلما زادت الصادرات الصناعية والخدمية، وتدفقت استثمارات مباشرة طويلة الأجل، أصبح استقرار العملة نتيجة طبيعية لا إجراء استثنائيا.
تمكين القطاع الخاص .. شرطا أساسا للتحول الهيكلي
إن المرحلة المتقدمة من البرنامج تضع القطاع الخاص في قلب معادلة النمو كما ان تقليص الدور التنافسي للدولة في بعض الأنشطة، وتعزيز الحوكمة، وخلق بيئة أعمال أكثر شفافية، كلها عناصر حاسمة لتحويل الاستقرار المالي إلى نمو حقيقي.
كما أن النمو المدفوع بالقطاع الخاص أكثر استدامة وأقل تقلبا من النمو القائم على الإنفاق العام ومن هنا تصبح الشريحتان الخامسة والسادسة بمثابة اختبار لمدى تقدم عملية إعادة هيكلة الاقتصاد نحو نموذج أكثر إنتاجية وتنافسية.
الانعكاسات المتوقعة على التصنيف الائتماني وتكلفة التمويل
إن الالتزام المتواصل بالبرنامج يعزز صورة الدولة أمام مؤسسات التصنيف الائتماني، ويخفض درجة المخاطر المتصورة لدى المستثمرين و هذه النتيجة لا تنعكس فقط على الحكومة، بل تمتد إلى القطاع المصرفي والشركات الكبرى، التي تستفيد من تحسن البيئة التمويلية وانخفاض تكلفة الاقتراض.
وبالتالي، فإن الأثر غير المباشر للشريحتين قد يتجاوز قيمتهما النقدية عبر تحسين مناخ التمويل ككل.
التحدي الحقيقي مرتبط برفع معدل النمو الاقتصادي ، وهو ما يتعلق بقدرة الاقتصاد الي الانتقال من تحقيق الاستقرار إلى رفع معدل النمو المستهدف فالاستقرار شرط أساسي، لكنه لا يضمن بذاته توسع القاعدة الإنتاجية أو زيادة القيمة المضافة.
فالمطلوب هنا هو استثمار مرحلة الاستقرار في تسريع الإصلاحات الهيكلية، وتوسيع الصناعات ذات المحتوى التكنولوجي، وتعميق سلاسل القيمة المحلية ، و عندها فقط تتحول الشريحتان الخامسة والسادسة من دفعات تمويلية إلى ركيزة لإعادة تشكيل النمو.
لحظة اختبار النضج الاقتصادي
إن الشريحتان الخامسة والسادسة تمثلان لحظة اختبار للنضج الاقتصادي ، فإما أن تتحول الإصلاحات إلى بنية مؤسسية دائمة تعزز الاستقرار والتنافسية، أو تظل إجراءات مرحلية مرتبطة ببرنامج زمني محدد.
فالقيمة الحقيقية لهذه المرحلة لا تقاس بحجم التمويل، بل بمدى قدرتها على ترسيخ نموذج اقتصادي أكثر مرونة، وأقل هشاشة أمام الصدمات، وأكثر قدرة على تحقيق نمو مستدام يقوده الإنتاج والاستثمار لا التمويل المؤقت.





