محمد عبد العال يكتب : رمضان واقتصاديات الصيام .. “سهرة الفيشاوي – 4”

قررنا السنادي ناخدكم فى بعض ليالى رمضان الجميلة في رحلة خفيفة نفهم فيها اقتصاديات رمضان بعيداً عن لغة الأرقام المعقدة

في رمضان، الدنيا مش بس عبادة ولمة، دي كمان بيزنس وحسابات بتتحرك في كل حتة ، من فانوس رمضان لغاية مليارات المسلسلات.

قررنا السنادي ناخدكم فى بعض ليالى رمضان الجميلة في رحلة خفيفة، نفهم فيها اقتصاديات رمضان بعيداً عن لغة الأرقام المعقدة ، هنسمعها بلسان الفيشاوي بحكمته، والأستاذ عِرفان بوقاره، وحمادة ديلفرى بتساؤلات الشارع.

حلقة اليوم من أمام محل “الجحش” – حي السيدة زينب.

الزمان: ساعة السَّحَر، والزحام وصوت “تشّة” الطعمية يملأ المكان.

حمادة وهو ماسك ساندوتشين وبيدفع: يا أستاذ عِرفان، الحقني! الراجل لسه واخد مني مبلغ وقدره، مع إنهم في الأخبار بيقولوا التضخم انخفض. يعني إيه انخفض؟ هو انخفض في التلفزيون ونسي يجي لعم الجحش هنا في السيدة؟

الأستاذ عِرفان وهو بيمسح نظارته بوقار: اسمع يا حمادة، إحنا النهاردة هنطبق نظرية جديدة اسمها “مؤشر الفول والطعمية” ، التضخم لما بينزل، معناه إن سرعة زيادة الأسعار هديت، مش إن الأسعار رجعت لورا ، يعني لو الساندوتش كان بيزيد كل شهر جنيه، دلوقتي بقى بيزيد كل شهر شلن ، هو لسه بيزيد، بس ببطء!.

الفيشاوي وهو بيغمس لقمة فول بالزيت الحار بتمهل: يا أستاذ عِرفان، الناس ميهمهاش الورق، الناس ليهم المؤشر اللي في إيد حمادة ده. الساندوتش ده اقتصاد كامل؛ فيه زيت مستورد، وفول بالدولار، وغاز، وعمالة. طول ما الحاجات دي سعرها مانزلش في المنبع، عم الجحش مش هيقدر ينزل السعر، وإلا يقفل محله!.

حمادة بدهشة: يعني الساندوتش ده هو اللي بيقول الحقيقة؟

الأستاذ عِرفان: بالظبط! مؤشر الفول والطعمية هو أدق قياس للتضخم الشعبي. لما تلاقي القرص كبر أو سعره نزل، اعرف إن الدورة الاقتصادية بدأت ترتاح بجد والسيولة بدأت تسمّع في جيب المواطن. طول ما السعر ثابت فوق، يبقى التضخم نزل ورقياً بس لسه مكلبش واقعياً بسبب تكلفة المخزون القديم.

الفيشاوي يضحك: عليك نور يا أستاذنا.. الاقتصاد يا حمادة مش معادلات في الهوا، الاقتصاد هو لقمة السحور دي. صب الشاي يا ابني، وخلينا ندعي إن مؤشر الطعمية يريح شوية قبل العيد عشان الناس تفرح!.

وهو يدير رأسه تجاه بعض الحاضرين من علية القوم – معاهم واحد خواجة سائح – والذين سمعوا بعض أطراف الحديث، ورفع صوته قليلاً بكبرياء أولاد البلد المثقفين قائلاً : ياله من ابتكار عبقري! “مؤشر الفول والطعمية” (The Falafel Index) هذا ليس مجرد اسم فكاهي، بل هو في علم الاقتصاد ما نسميه بـ “المؤشرات الواقعية” (مثل مؤشر “بيج ماك” العالمي)، لكن بنكهة مصرية أصيلة تمس قلب الحارة ، فلا داعي للسخرية من حوارنا.

ويستمر الحوار بين أرقام الخبراء و”مؤشر الفول والطعمية”، تظل الحقيقة دائماً فوق مائدة السحور.

وإنتوا إيه رأيكم؟ لو قسنا التضخم بـ “ساندوتش الفول” في منطقتكم.. المؤشر بيقول إيه النهاردة؟

الليلة التالية

تدخل سيدة مصرية أصيلة، هي جارة الفيشاوي في السكن و”زبونة” دائمة عند الجحش ، وهي الخبير الميداني التي لا تعرف أرقام التضخم الرسمية، ولكنها تعرف سعر “كيلو العدس” في كل محلات المنطقة ، كلامها دبش لكنه يقطر حكمة، هي الوحيدة القادرة على وقف فلسفة السيد عرفان عند حده.

الفيشاوي يرحب بجارته “أم فوزي” وسط ذهول عرفان من ثقتها.

الفيشاوي: يا أستاذ عرفان، سيبك من المؤشرات والرسوم البيانية.. النهاردة معانا “الترمومتر” الحقيقي للحارة المصرية. جارتي الغالية أم فوزي، اللي بتعرف سعر الحاجه وهي لسه في المينا!.

أم فوزي وهي بتعدل طرحتها بوقار وتنظر لعرفان: مساء الفل يا فيشاوي ، سيبك من الأستاذ اللي ماسك الآلة الحاسبة ده ، يا أستاذ عرفان، الاقتصاد مش أرقام في التلفزيون، الاقتصاد هو “الباقي” اللي بيرجع لي وأنا بجيب طلبات البيت ، زمان كان بيرجع لي فكة، دلوقتي بيرجع لي (دعاء بالستر) من البقال!.

عرفان: يا ست أم فوزي، إحنا بس بنقول إن “الأموال الساخنة” لما خرجت عملت ذبذبة، والدولار المفروض يرجع لمساره الهادئ عشان نحس بالانفراجة ، والرهان لسه قائم مع الفيشاوي على صينية كنافة لو الدولار نزل لـ 46.

أم فوزي تضحك بسخرية :46 إيه يا ضنايا؟ ده الدولار دلوقتي عامل زي “العيال الشقية”، كل ما يكسر الـ 47.. يروح ناطط لفوق ومقرب من الـ 48 ، تحس إن فيه حد جاري وراه بـ “الخرزانة” عشان يرجعه مكانه بس هو برضه دماغه ناشفة.

الفيشاوي ضحك ويغمز لعرفان: شوفت يا أستاذ؟ أم فوزي جابت الخلاصة ، الولد (الدولار) شقي ومش عايز يسمع الكلام، وشكلنا هناكل الكنافة على حسابك بكرة لأن الـ 46 دي بقت بعيدة المنال!.

أم فوزي: وبعدين كنافة إيه اللي مراهنين عليها؟ إنتو عارفين الكنافة دي عشان تطلع “مظبوطة” محتاجة سمنة بلدي وسكر ومكسرات، ودول دلوقتي أسعارهم بقت بتعمل “هبوط حاد في الدورة الدموية” للميزانية! يعني إنتو بتراهنوا بمال غيركم يا أفندية؟

عرفان: بس يا أم فوزي، التضخم نزل رسمياً في الجداول والبيانات.

أم فوزي تقاطعه بحسم: نزل فين يا أستاذ؟ نزل السلم؟ يا ابني الأسعار عندنا تطلع بأسرع من الصوت، ولما تنزل بتنزل “سنتيمتر” وتثبت مكانها بخمسة أقفال! طول ما أنا بدفع في الفول والزيت أكتر من الشهر اللي فات، يبقى الدولار نزل في التلفزيون بس، ما نزلش في قفتي! جهز نفسك يا أستاذ عرفان، شكلنا هناكل الكنافة، وأنا اللي هختار المحل، عشان أضمن إن السمنة “بلدي” مش من اللي بيسمعوا عنها في الإعلانات!

الفيشاوي موجهاً كلامه للجمهور: ترقبوا غداً.. هل يصمد عرفان أمام “قصف جبهة” أم فوزي؟ وهل ستتحول صينية الكنافة من رهان إلى واقع مرير على محفظة الأستاذ؟

الليلة التالية

الفيشاوي يجلس ممسكاً بالموبايل ويناظر عرفان بشماتة : مساء الفل يا أستاذ عرفان ، الشاشة بتقول 48 وكسور، والرهان بيقول إن صينية الكنافة بالسمن البلدي بقت “واجبة النفاذ” ، الدولار عملها وكسر الـ 47 وطلع يجري، والظاهر إن “شوية من الأموال الساخنة” خافت من التوترات وخلعت!.

عرفان يحاول الحفاظ على هدوئه: يا فيشاوي، بلاش تبص تحت رجلك، خلينا نشوف “الحسبة على التربيزة” ، التراجع ده طبيعي لأن المستثمرين بيقلقوا من أي خناقة في المنطقة ، لكن لسه من حوالي ساعة، المجلس التنفيذي لصندوق النقد في واشنطن خلص اجتماعه واعتمد المراجعة الخامسة والسادسة رسمياً! يعني فيه حوالي 2.3 مليار دولار في طريقهم لينا.

أم فوزي تدخل القفشة وهي رافعة صوتها: صندوق إيه يا سي عرفان؟ هو الصندوق ده اللي هينزل يفاصل مع التاجر في سعر لتر الزيت؟ إنت كل ما الدولار “يزحلق” الجنيه، تطلع لنا بكلمة “صندوق” و”مراجعة ، يا ابني إحنا عايزين “مراجعة” للي بيحصل في جيوبنا والبركة اللي طارت!.

الفيشاوي: بس يا أم فوزي، الأستاذ عرفان قصده إن فلوس الصندوق دي “سندة” لمصر عشان تواجه خروج الأموال اللي هربت.. تفتكر يا عرفان، الشريحة دي كفاية توقف “الطفل الشقي” ” الدولار” عند حده وترجعه للـ 46؟ ولا الكنافة كدة بقت في بطني خلاص؟.

عرفان: نظرياً يا فيشاوي، دي شهادة ثقة عالمية هترجع الهدوء للسوق. يعني الرهان لسه فيه “نَفَس”.. الدولار ممكن يريح تاني أول ما الفلوس تدخل الخزنة.

أم فوزي تضحك وتقعد بوقار: نَفَس إيه يا ضنايا؟ الدولار لو شم ريحة الـ 48، مابيرجعش بظهره بسهولة، ده عامل زي اللي اتعود على السهر بره البيت! وبعدين يا سي عرفان، الرهان اتحسم.. الدولار تجاوز الـ 48 لأول مرة من 5 شهور، يعني الكنافة بقت ديْن في رقبتك. ولو الصندوق نفع وهدّى اللعب، يبقى التحلية بسبوسة المرة الجاية!.

الفيشاوي موجهاً نظره للمتابعين: يا جماعة، إحنا هنريح شوية عشان ندي فرصة للأستاذ عرفان يلم حق الكنافة، وللسوق يستوعب أخبار الصندوق ، وسهرتنا من هنا ورايح هتكون أحد، وثلاثاء، وخميس ، عشان نلحق نحلل “الخناقة” اللي بين الدولار والجنيه بتركيز، ونشوف أم فوزي هتفاجئنا بإيه في (تحليل القفة) القادم!.

محمد عبد العال

خبير مصرفي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى