محمد عبد العال يكتب عن .. اجتماع الرئيس مع محافظ البنك المركزي

قراءة في دلالات الأرقام ومعنى التحول في مؤشرات الاقتصاد المصري

شهد مطلع هذا الأسبوع اجتماعًا مهمًا بين الرئيس عبد الفتاح السيسي والسيد حسن عبد الله، محافظ البنك المركزي المصري، حيث تم استعراض تطورات القطاع المصرفي والسياسة النقدية خلال عام 2025، وما تحقق من مؤشرات قوية واستدامة على مستوى الاقتصاد الكلي.

الأرقام التي خرج بها الاجتماع لم تكن مجرد نتائج مالية، بل رسائل واضحة بأن مصر انتقلت من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة تثبيت الاستقرار وإعادة بناء الثقة.

أبرز ما جاء في البيان:

أولاً: احتياطي تاريخي وصافي أصول أجنبية “موجب” لأول مرة منذ 2020

ارتفع الاحتياطي النقدي إلى 52.6 مليار دولار، وتحوّل صافي الأصول الأجنبية للقطاع المصرفي إلى فائض بلغ 25.5 مليار دولار.

هذه النقطة تمثل تحولًا أساسيًا، لأنها تعني ببساطة:

  • البنوك أصبح لديها نقد أجنبي أكثر من التزاماتها.
  • فجوة العملة التي شكلت تحديًا كبيرًا في 2022–2023 أُغلقت فعليًا.
  • القدرة على تمويل التجارة والواردات أصبحت ذاتية داخل الجهاز المصرفي.
  • الضغط على سوق الصرف تراجع، وهو ما يفسر استقرار سعر الصرف خلال أغلب شهور 2025.

– هذه لم تكن أرقامًا معزولة، بل انعكاس لإصلاحات شملت مرونة أكبر في سعر الصرف، وإدارة منضبطة للسيولة، وتعافي مصادر النقد الأجنبي وعلى رأسها السياحة والتحويلات.

ثانيًا: القطاع المصرفي يدخل 2026 من “نقطة قوة”

استعرض الاجتماع أيضًا صلابة البنوك المصرية، حيث حافظ القطاع على:

  • نسبة تعثر منخفضة عند حدود 2% فقط.
  • معدل كفاية رأس مال يقترب من 19%، أعلى من متطلبات بازل الدولية.
  • توسع في الودائع إلى أكثر من 15 تريليون جنيه، مقابل قروض بلغت نحو 9.7 تريليون جنيه، بنسبة توظيف صحية عند 64%.

هذه المؤشرات تعكس قطاعًا مصرفيًا قادرًا على تمويل النمو دون مخاطر، وعلى امتصاص الصدمات إذا حدثت تقلبات دولية.

ثالثًا: التحول الرقمي والشمول المالي… قاعدة الاستدامة

لا يقل ما تحقق في التحول الرقمي أهمية عن المؤشرات النقدية.

ساهمت التوسعات في المعاملات الإلكترونية، والمحافظ الرقمية، وانتشار القنوات الذكية في:

  • رفع كفاءة البنوك وخفض تكاليف التشغيل.
  • توسيع نطاق الخدمات ليصل الشمول المالي إلى 76.3% من المواطنين.
  • دمج الاقتصاد غير الرسمي تدريجيًا في المنظومة المالية الرسمية.
  • دعم سيولة الجهاز المصرفي عبر زيادة قاعدة الودائع.

هذه التطورات هي “البنية التحتية” التي تُبنى عليها استدامة الاستقرار في السنوات المقبلة.

رابعًا: التصنيف الائتماني… رسالة ثقة دولية

رفعت وكالة ستاندرد آند بورز ووكالة فيتش التصنيف الائتماني لمصر إلى درجة B، مع نظرة مستقبلية مستقرة، وهو ما يمثل شهادة مباشرة على:

  • تحسن القدرة على السداد.
  • تراجع المخاطر المرتبطة بالدين.
  • استقرار السياسات النقدية والمالية.

النظرة “المستقرة” تعني أن المؤسسات الدولية ترى أن الاتجاه الحالي صلب ومستمر، وأنه لم يعد هناك توقعات بخفض التصنيف كما كان يحدث سابقًا، بل إن التحسن مرهون فقط باستدامة المسار.

خامسًا: ومن جانبنا نضيف ماذا عن الدين الخارجي؟

التعامل مع ملف الدين الخارجي لا يعتمد على الرقم المجرد، ولكن على قدرة الاقتصاد على السداد.

في 2025–2026 تحسنت هذه القدرة عبر ثلاثة عناصر:

. ارتفاع الاحتياطي إلى أعلى مستوى تاريخيًا.

. عودة الفائض في صافي الأصول الأجنبية داخل البنوك.

. تحسن التصنيف الائتماني وتراجع توقعات المخاطر.

هذه العناصر تجعل عبء الدين قابلًا للإدارة رغم كبر الحجم.

سادسًا: النظرة المستقبلية… من إدارة الأزمة إلى إدارة الثبات

خلاصة مضمون ورسائل ما ورد في البيان أن مصر بدأت تجني ثمار الإصلاحات، سعر الصرف أكثر استقرارًا، التضخم في مسار هبوطي، الجهاز المصرفي أكثر قوة، ومؤشرات النقد الأجنبي تتحسن بشكل يسمح بالانتقال إلى مرحلة استدامة الاستقرار لا مجرد تحقيقه.

صرف المراجعتين الخامسة والسادسة من البرنامج الدولي في فبراير الحالي سيعزز هذا الاتجاه ويضيف سيولة جديدة، لكنه في الوقت نفسه يمثل شهادة ثقة بأن المسار الإصلاحي يسير وفق التوقعات.

البيان الرئاسي لم يكن مجرد إعلان لأرقام إيجابية، بل كان تثبيتًا لحقيقة أهم ، وهي أن الاقتصاد المصري انتقل من إدارة صدمات قصيرة إلى بناء قواعد استقرار طويل الأجل، والجهاز المصرفي أصبح الركيزة الأولى لهذا التحول.

محمد عبد العال

خبير مصرفي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى