محمد عبد العال يكتب عن : رمضان واقتصاديات الصيام؟!
رمضان في مصر ليس مجرد عبادة فقط بل هو حالة اقتصادية فريدة تجمع بين ضغط السيولة وتكافل القلوب وحرارة الأسواق

مع روائح الشهر الكريم، تبرز في بيوتنا كلمة السر السنوية “العزومة” ، وبينما نراها نحن “وداً وكَرَماً”، يراها خبراء الاقتصاد “حراكاً مالياً” ضخماً يغير قواعد السوق.
– “عند ماما”.. أكثر من مجرد أغنية :
أهلاً بكم في عالم “اقتصاد العزومات”.. هذا المصطلح يفسر كيف يتحول استهلاكنا من “الاحتياج اليومي” إلى “الاستعراض الاجتماعي الودود”.
في رمضان، نحن لا نشتري طعاماً فحسب، بل نشتري “سلسلة إمداد” كاملة ، من قطاع المنظفات الذي يسبق العزومة، إلى قطاع الحلويات الذي يتوجها، وصولاً إلى خدمات التوصيل التي لا تهدأ.
– المرتبات المبكرة.. “تسونامي” السيولة في الأسواق:
جاء قرار الدولة بصرف المرتبات مبكراً ليكون “الشرارة” التي تطلق ماراثون الشراء ، ولكن، بخلاف المتوقع، هذا القرار يضع ضغطاً استثنائياً على شبكة ماكينات الصراف الآلي ، فالمواطن يحتاج “للكاش” فوراً لتغطية مشتريات الأسواق الشعبية والياميش ومستلزمات العزومات.
هذا الزحام الملياري يمثل “اختباراً حقيقياً” لقدرة البنوك على تغذية الماكينات بالنقدية على مدار الساعة، حيث تسجل السحوبات أرقاماً قياسية تتجاوز 25 مليار جنيه في أيام الذروة.
– موائد الرحمن.. “عزومة الكبار” وشبكة الأمان:
إلى جانب عزوماتنا الخاصة، تبرز “موائد الرحمن” كأكبر عملية “إعادة توزيع تلقائي للدخل” في المجتمع ، هي ليست مجرد عمل خيري، بل هي في علم الاقتصاد “أكبر شبكة أمان اجتماعي تلقائية” ، فهي تخفف ضغوط الغلاء عن الملايين، وفي ذات الوقت تُنشط تجارة الجملة والموردين بمبالغ ضخمة، مما يجعلها محركاً اقتصادياً قائماً على التكافل.
– لغة الأرقام “اقتصاديات الصيام”:
تخيلوا أن إنفاق المصريين على الطعام في هذا الشهر وحده يقترب من 100 مليار جنيه؟! أي ما يعادل حوالي 30% من إنفاقهم السنوي على الغذاء! هذا الانفجار الاستهلاكي يفسر لنا لماذا “يشتعل” السوق في رمضان، ولماذا تصبح “السيولة” هي البطل الحقيقي خلف الكواليس.
خاتمة:
رمضان في مصر ليس مجرد عبادة فقط، بل هو “حالة اقتصادية” فريدة تجمع بين ضغط السيولة، وتكافل القلوب، وحرارة الأسواق.
استمتعوا بعزوماتكم، ولكن تذكروا دائماً أن “البركة” الحقيقية تبدأ باللمة الحلوة وجودة الإدارة في آن واحد.
محمد عبد العال
خبير مصرفي




