دكتورة شيماء وجيه تكتب عن .. تصدر مصر لمؤشر جذب الاستثمار الأجنبي الخاص بأفريقيا

قراءة اقتصادية في تحولات الثقة والنمو

لم يعد تصدر مصر لقائمة أكبر متلقي الاستثمار الأجنبي الخاص في أفريقيا مجرد رقم يضاف إلى المؤشرات الكلية، بل أصبح دلالة اقتصادية عميقة على تحول نوعي في مناخ الاستثمار، وعلى قدرة الاقتصاد المصري على استعادة الثقة الإقليمية والدولية ، في مرحلة عالمية تتسم بارتفاع المخاطر وتباطؤ التدفقات الرأسمالية.

واللافت في المشهد الحالي أن هذه المكانة لم تتحقق عبر طفرة استثمارية عابرة أو صفقة استثنائية، بل جاءت للعام الخامس على التوالي ، وهو ما يعكس مسارا مستداما نسبيا قائمًا على إعادة هيكلة السياسات المالية، وتحسين بيئة الأعمال، وتوسيع دور القطاع الخاص كمحرك رئيسي للنمو.

الاستثمار الخاص المحرك الحقيقي للتعافي

النمو القوي في الاستثمارات الخاصة، والذي سجل قفزة بنحو 73% خلال عام 2024/2025 يشير إلى أن التعافي الاقتصادي اصبح يقوده رأس المال المنتج لا الإنفاق الحكومي وحده ، و هذه النقطة محورية، لأن التجارب الدولية تؤكد أن النمو القائم على الاستثمار الخاص هو الأكثر قدرة على خلق فرص عمل مستدامة ، ورفع الإنتاجية ، وتوسيع القاعدة التصديرية ، وتخفيف الضغوط على المالية العامة.

و في هذا السياق، يصبح الحديث عن الفائض الأولي المرتفع الذي بلغ 3.5% من الناتج المحلي ، كمؤشر يؤكد تحسن كفاءة إدارة الموارد، وليس مجرد تشديد مالي تقليدي.

استعادة الثقة في الاستثمار

إن الثقة هي العملة الأهم في جذب الاستثمار ، كما أن تحسن صورة الاقتصاد المصري في الأسواق الدولية لم يأتِ من فراغ، بل ارتبط بعدة عوامل متزامنة ، وهي تراجع معدلات التضخم ، وتحسن احتياطي النقد الأجنبي وتجاوزه 50 مليار دولار ، وتسارع وتيرة النمو الاقتصادي ، وتحسن أداء الصادرات والقطاع الصناعي.

و هذه العناصر مجتمعة تقلل من مخاطر الاستثمار، وتعيد تسعير الاقتصاد المصري لدى المستثمرين من اقتصاد عالي المخاطر إلى اقتصاد قابل للنمو المدروس.

الإصلاح المالي حين يصبح داعما للنشاط لا عبئا عليه

اللافت في التجربة الحالية هو التحول في فلسفة السياسة الضريبية فالنمو القوي في الإيرادات الضريبية بنسبة تقارب 35%، دون فرض أعباء جديدة على مجتمع الأعمال، يعكس انتقال الدولة إلى منطق الشراكة كما ان تطوير أداء مصلحة الضرائب، وتبسيط الإجراءات، وحزم التسهيلات، كلها عوامل أدت إلى ، توسيع القاعدة الضريبية ، ورفع مستوى الامتثال الطوعي ، وتقليل حالة عدم اليقين لدى المستثمر ، وهو ما يفسر كيف يمكن تحقيق زيادة في الإيرادات بالتوازي مع تحفيز النشاط الاقتصادي، لا كبحه.

خفض تكاليف التجارة بوابة التصنيع والتصدير

إن التنسيق القائم مع وزارة الاستثمار لخفض زمن الإفراج الجمركي وتكاليف التجارة يعد خطوة حاسمة في دعم التصنيع المحلي ففي عالم يتسم بتنافسية شديدة، لم تعد الميزة النسبية قائمة على الأجور فقط، بل على سرعة الإجراءات وكفاءة سلاسل الإمداد ووضوح القواعد التنظيمية.

الاستثمار في الإنسان العنصر الضامن للاستدامة

التأكيد على أن الاستثمار في العنصر البشري هو الأساس و هو ما يعكس وعيا بأن الرقمنة وحدها لا تصنع اقتصادا قويا، ما لم تترجم إلى خدمات أفضل وإدارة أكثر كفاءة، وتضمن تواصل فعال مع المستثمر والممول والمواطن ، كما أن الاقتصادات التي نجحت في التحول لم تعتمد فقط على التكنولوجيا، بل على بناء القدرات، وتطوير المهارات، وخلق بيئة مؤسسية قادرة على استيعاب التغيير.

نهاية يمكن القول أن تصدر مصر لقائمة الاستثمار الأجنبي الخاص في أفريقيا ليس نهاية الطريق، بل اختبار لقدرتها على تحويل التدفقات الاستثمارية إلى نمو حقيقي ومستدام ، مع ضرورة التأكيد علي متطلبات المرحلة المقبلة ، و التي تتمثل في تتعميق التصنيع ، وزيادة القيمة المضافة المحلية ، وتوسيع الصادرات ، وواستمرار الشراكة مع القطاع الخاص.

كما أن استمرار هذا المسار بنفس الوتيرة لا يعزز موقع مصر فقط كوجهة استثمارية أفريقية، بل يجعلها من أكثر الاقتصاديات توازنا، وأقلها هشاشة أمام الصدمات، و يجعلها اكثر قدرة على تحقيق تنمية شاملة.

دكتورة شيماء وجيه

خبيرة مصرفية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى