دكتورة شيماء وجيه تكتب : تراجع القروض غير المنتظمة مؤشر صلابة يعيد رسم خريطة المخاطر المصرفية
تحسن نوعي في جودة الأصول المصرفية

يعكس تراجع نسبة القروض غير المنتظمة في الجهاز المصرفي المصري إلى 2% دلالة مهمة على تحسن جودة محافظ الائتمان، وقدرة البنوك على إدارة المخاطر الائتمانية في بيئة اقتصادية اتسمت بتحديات داخلية وخارجية متراكبة فهذا المستوى يعد من النسب المنخفضة تاريخيا، ويؤكد أن التوسع الائتماني الأخير لم يأتِ على حساب جودة الأصول ويكتسب هذا المؤشر أهمية إضافية عند النظر إلى انخفاض النسبة بشكل أكبر لدى البنوك الكبرى ، و هو ما يعكس قوة أنظمة الحوكمة الائتمانية، وارتفاع كفاءة إدارة المخاطر في المؤسسات المصرفية ذات الوزن النسبي الأكبر داخل السوق.
البنوك الكبرى ودورها في تعزيز الاستقرار
انخفاض القروض غير المنتظمة إلى 1.8% لدى أكبر 10 بنوك، و1.5% لدى أكبر 5 بنوك، يعكس الدور المحوري لهذه المؤسسات في الحفاظ على الاستقرار المصرفي ، فالبنوك الكبرى عادة ما تكون الأكثر انكشافا على القطاعات الاقتصادية الرئيسية، وتحاول دائما رفع مؤشرات الجودة لديها لتبعث برسالة ثقة حول متانة النظام المصرفي ككل ، كما يشير ذلك إلى نجاح هذه البنوك في الموازنة بين التوسع في التمويل، والالتزام الصارم بمعايير الجدارة الائتمانية.
المخصصات تمثل درع وقائي أمام تقلبات الاقتصاد
إن ارتفاع نسبة المخصصات المرتبطة بالقروض المتعثرة إلى 89.4% يعكس نهجا مصرفيا شديد التحوط، ويؤكد أن البنوك لا تكتفي برصد المخاطر، بل تستبقها بإجراءات وقائية تحافظ على استقرار المراكز المالية ، وتزداد قوة هذا المؤشر مع وصول نسب التغطية إلى مستويات أعلى لدى البنوك الكبرى، و هو ما يوفر هامش أمان إضافي أمام أي تقلبات مستقبلية.
ويعكس حجم المخصصات المكونة التزام الجهاز المصرفي بتطبيق معايير رقابية ومحاسبية متحفظة، تعزز من مصداقية القوائم المالية.
ارتفاع حجم المخصصات والاحتياطيات
إن تكوين مخصصات بمئات المليارات من الجنيهات، إلى جانب احتياطيات تجاوزت التريليون جنيه، تعكس قدرة عالية للبنوك على امتصاص الصدمات المحتملة ولا تعكس هذه الأرقام فقط حجم المخاطر المحتملة، بل تعكس بالأساس قوة القاعدة الرأسمالية، وارتفاع مستويات الملاءة المالية داخل القطاع المصرفي ، كما تشير هذه المستويات من الاحتياطيات إلى مرونة كبيرة في مواجهة السيناريوهات الاقتصادية المختلفة، دون التأثير على استمرارية النشاط الائتماني.
انعكاسات مباشرة على السياسة النقدية والتمويل
من منظور اقتصادي أوسع، فإن تحسن مؤشرات جودة الائتمان يمنح صانعي السياسة النقدية مساحة أوسع للحركة، ويدعم قدرة البنوك على الاستمرار في تمويل النشاط الاقتصادي بثقة أكبر ، فكلما تحسنت جودة الأصول كلما ارتفعت قدرة الجهاز المصرفي على لعب دور أكثر فاعلية في دعم الاستثمار والنمو ، كما ينعكس هذا التحسن إيجابا على تكلفة التمويل، ومستويات المخاطر المدركة، وهو ما يعزز من كفاءة تخصيص الائتمان داخل الاقتصاد.
و في النهاية فان تراجع القروض غير المنتظمة، وارتفاع مستويات التغطية بالمخصصات والاحتياطيات تعبر عن حالة من الصلابة والانضباط داخل الجهاز المصرفي المصري وهي مؤشرات تؤكد أن البنوك تسير في مسار متوازن يجمع بين التوسع الائتماني، والحفاظ على الاستقرار المالي، بما يعزز من قدرة القطاع المصرفي على دعم الاقتصاد في المرحلة المقبلة بثقة واستدامة.
دكتورة شيماء وجيه
خبيرة مصرفية





