محمد عبد العال يكتب: تحويلات المصريين بالخارج .. منجم مصر الذي لا ينضب
لضمان استدامة هذه التدفقات يجب دمج المغتربين في النسيج الاقتصادي بشكل أعمق

كلما نظرنا إلى بيانات الاحتياطي النقدي للبنك المركزي المصري نجد أن الذهب يشكل جزءاً مهماً يُقدر بحوالي 16 مليار دولار ،، لكن، هل تعلم أن هناك “منجماً” آخر يتجدد سنوياً ويتفوق على هذا المخزون بكثير؟ إنه منجم الذهب البشري .. وأعني تحويلات المصريين العاملين في الخارج.
هذه التحويلات ليست فقط دعماً للأسر بل هي شريان حياة يتجاوز قيمته الأصول التقليدية، مما يجعلنا نتساءل عما إذا كانت أموال المغتربين هي الدرع الذهبي الأقوى للاقتصاد المصري؟.
من المنطقي جداً أن نطلق على تحويلات المصريين وصف “منجم الذهب المصري”.
إذا كانت قيمة الذهب في احتياطي البنك المركزي حوالي 16.5 مليار دولار، فإن قيمة تحويلات المصريين بالخارج تتجاوز هذا الرقم بكثير.
الذهب يمثل رصيداً ثابتاً وملاذاً آمناً، وقيمته تتغير بحسب سعر السوق العالمي ، أما التحويلات فهي تدفق سنوي متجدد وضخم يتجاوز 30 مليار دولار، مما يعيد ملء “المنجم” كل عام.
التحويلات تأتي من رأسمال بشري مصري موزع في الخارج ، وهي مورد لا يحتاج إلى استثمار خارجي مباشر أو قروض.
هذه الأموال مدفوعة بدوافع اجتماعية واقتصادية، مما يجعلها أكثر استدامة ومرونة من مصادر الدخل الأخرى التي تتأثر بالصدمات الجيوسياسية أو تقلبات الأسواق العالمية.
الذهب يعتبر أصلا احتياطياً يستخدم في أوقات الأزمات، لكنه ليس سائلاً للاستخدام اليومي ، بينما تحويلات المصريين تدخل مباشرة كنقد أجنبي سائل في شرايين الاقتصاد، مما يتيح استخدامها فوراً في استيراد السلع الأساسية وسداد التزامات ودعم الاحتياطى بالنقد الاجنبى للدولة.
شهدت التحويلات انخفاضاً ملحوظاً في 2022/ 2023 بسبب توسع السوق الموازية للعملة ، لكن بعد قرار تحرير سعر الصرف في مارس 2024 والإصلاحات التي تبعته، شهدت التحويلات قفزة كبيرة وعادت إلى القنوات الرسمية.
ففي الربع الأول من عام 2025، ارتفعت التحويلات بنسبة 84.4% مقارنة بنفس الفترة من العام السابق، ثم سجلت في الأشهر الأولى فقط من هذا العام 30.2 مليار دولار.
الدوافع وراء هذه الزيادة تشمل توحيد سعر الصرف، الحوافز الحكومية مثل مبادرة استيراد السيارات المعفاة من الجمارك، وطرح أوعية ادخارية بعوائد مرتفعة، بالإضافة إلى الدوافع الاجتماعية مثل دعم العاملين فى الخارج لأسرهم في مصر وانتمائهم الوطنى لبلدهم.
ولضمان استدامة هذه التدفقات، يجب دمج المغتربين في النسيج الاقتصادي بشكل أعمق، وإنشاء صناديق استثمار دولارية مخصصة لهم، وإعداد برامج ريادة أعمال، وإقرار نظام للتأمين الصحي والمعاشات، وبعض الإعفاءات الجمركية والضريبية.
في الختام، تحويلات المصريين العاملين في الخارج ليست مجرد بنود في ميزان المدفوعات، بل هي أصل استراتيجي قومي يتفوق في قيمته وتدفقه السنوي على أغلى المعادن في خزائننا.
والحفاظ على هذا ‘المنجم البشري’ وضمان تدفقه عبر القنوات الرسمية هو مسؤولية مشتركة تتطلب منا الثقة، التسهيلات، والحوافز المبتكرة. لنعمل جميعاً لكي يظل هذا الذهب السائل هو الركيزة الأقوى التي تبني عليها مصر مستقبلها الاقتصادي المستدام.
محمد عبد العال
خبير مصرفي





