محمد عبد العال يكتب : القرار المرتقب للمركزي المصري بشأن الفائدة تحد كبير أمام الخبراء والمراقبين

أرجح أن تتبنى لجنة السياسة النقدية أولوية تحفيز النمو وخفض الدين بخفض محدود للفائدة

مع إعلان ارتفاع التضخم في أكتوبر ، التضخم العام 12.5% والأساسي 12.1% ، أصبح توقع قرار لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري في اجتماعها يوم الخميس المقبل ، الموافق 20 نوفمبر الجاري ، يمثل تحدياً كبيراً أمام الخبراء والمراقبين.

ومن خلال تحليل منهجي ، وبعد نقاش مكثف مع “Gemini” ، نموذج الذكاء الاصطناعي AI ، توصلنا إلى أن العوامل الاستراتيجية التي تدفع نحو خفض الفائدة تتفوق على المخاطر الآنية التي قد تدفع نحو تثبيتها.

وقبل أن نستطرد في توضيح ذلك، يتعين أن نُسجل النقاط الثلاث المهمة التالية:

– لجنة السياسة النقدية لا تتخذ قرارها بناءً على قراءة التضخم الماضية، بل بناءً على توقعاتها لمسار التضخم المستقبلي Inflation Outlook ، وبالتالي فإن ارتفاع معدل التضخم في شهر أكتوبر الماضي لن يعوق اللجنة عن اتخاذ قرار خفض الفائدة ، طالما كان ذلك متوافقاً مع رؤيتها للتوازنات و الفاعليات الاقتصادية والمالية المصاحبة عالمياً ومحلياً.

– لجنة السياسة النقدية هي صاحبة قرارها، ودور المتابعين والمتخصصين من خارجها يقتصر فقط على الإعلام والتوضيح والتمهيد والمساهمة في رفع الوعي الاقتصادي والمصرفي في المجتمع.

– اللجنة تأخذ في اعتبارها تأثير القوى المضادة للتضخم ومدى كفايتها لامتصاص صدمات ارتفاع بعض السلع إدارياً ، وعلى سبيل المثال، يتعمق خبراء اللجنة في دراسة تأثير ارتفاع الوقود وهل سيكون لجولة واحدة First-Round Effect أم سيتحول هذا التأثير إلى تضخم مستدام أو ما يسمى تأثير الجولة الثانية Second-Round Effect؟.

نعود الآن لتحليل أهم القوى الدافعة لخفض الفائدة، وتلك الدافعة لتثبيتها:

أولاً: أبرز القوى الدافعة للخفض:

– تحقيق مستهدف التضخم المستقبلي هو الدافع الأكبر، فالبنك المركزي ملزم بالوصول بمتوسط التضخم إلى 7% ±2% بحلول نهاية 2026 ، و هذا يتطلب أن يصل سعر الفائدة الإسمي إلى حوالي 13% إلى 15% ، و بما أن متوسط سعر الفائدة الحالي يبلغ حوالي 21.25% ، فإن اللجنة بحاجة إلى 600 إلى 800 نقطة أساس خفضاً على المدى المتوسط ، مما يبرر تسريع وتيرة الخفض Front-loading من الآن وحتى نهاية العام القادم.

– توقعات خفض الفائدة العالمية على الدولار ، هو محدد خارجي هام ، حيث أن البنوك المركزية الكبرى مثل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي مستمرة في خفض أسعار الفائدة لديها ، وبالتالي فإن فارق العائد بين الجنيه والدولار سيظل جاذبًا للاستثمارات الأجنبية غير المباشرة ، الأموال الساخنة ، حتى مع خفض مصر لسعر الفائدة ، وهذا يمنح البنك المركزي المصري مساحة مرنة لخفض الفائدة وتحفيز الاقتصاد دون القلق من تقلص الاستثمارات.

– لا يزال سعر العائد الحقيقي مرتفعاً ، حوالي 8.75% ، وهو معدل انكماشي يعيق النمو.

– خفض سعر الفائدة أداة رئيسية لخفض تكلفة الاقتراض على الشركات والأفراد، مما يشجع على الاستثمار والإنفاق وتحريك عجلة النمو الاقتصادي ، وهو هدف أساسي لللجنة في ظل استقرار نسبي للتضخم.

– الخفض له تأثير مباشر ومهم على تكلفة خدمة الدين الحكومي، حيث يخفض التكلفة التي تتحملها الموازنة العامة ، يوفر حوالي 70 مليار جنيه لكل 1% خفض ، وهو عامل مالي مهم.

– تحسن سعر صرف الجنيه المصري أمام الدولار الأمريكي ، أو استقراره القوي ، يعني أن فاتورة استيراد المدخلات والسلع النهائية ستنخفض ، و هذا الانخفاض يمثل قوة مضادة للتضخم تُعرف بـ “تخفيف التضخم المستورد”، الأمر الذي يوفر مساحة للمنتجين لتجنب تمرير ارتفاع التكاليف الأخرى ، مثل ارتفاع تكلفة النقل المحلي بسبب الوقود ، بالكامل إلى المستهلك النهائي.

– خفض الفائدة المتكرر ليس له تأثير لحظي، ولكنه يؤتي ثماره تدريجياً عبر خفض تكلفة التمويل Financing Costs للشركات ، و هذا التخفيف في الأعباء المالية للإنتاج يتيح للشركات إما خفض أسعارها للمنافسة أو امتصاص جزء من ارتفاع تكاليف الطاقة ، بدلاً من تحميلها بالكامل على المستهلك، مما يدعم هدف تحفيز النمو الاقتصادي عبر خفض تكلفة الائتمان.

ثانياً: أبرز القوى الدافعة للتثبيت:

– رغم القوى الاستراتيجية السابق ذكرها، فإن ارتفاع التضخم الأساسي إلى 12.1% يعني أن صدمة الوقود لم تقتصر على التأثير المباشر لمرة واحدة ، بل بدأت تتسرب إلى أسعار الخدمات والسلع الأخرى، مما يزيد من خطر تأثير الجولة الثانية ، ويتطلب الحذر لتجنب تأثير الجولة الثانية للتضخم.

– الحاجة إلى تقييم الصدمة الناتجة من ارتفاع التضخم في شهر أكتوبر ، ومن ثم قد تفضل لجنة السياسة النقدية الانتظار شهراً إضافياً للحصول على قراءة التضخم لشهر نوفمبر ، لتقييم ما إذا كانت صدمة أكتوبر هي ارتفاع مؤقت وعابر، أو بداية لتوجه صعودي جديد.

الخلاصة :

أرجح أن اللجنة ربما تتبنى أولوية تحفيز النمو وخفض الدين بخفض محدود للفائدة بمدى بين 50 نقطة أساس إلى مائة نقطة أساس في الاجتماع المقبل ، ثم تلاحقه بخفض مداه من مائة نقطة أساس إلى مائة وخمسين نقطة أساس في شهر ديسمبر المقبل ، حال أن التضخم بدأ يتراجع ، وذلك لتجنب إثارة أية توقعات تضخمية محتملة جديدة بعد ارتفاع معدل تضخم شهر أكتوبر.

وبالتالي، فإن توقع خفض إجمالي يبلغ 200 نقطة أساس حتى نهاية العام، موزعة على اجتماعي 20 نوفمبر و 25 ديسمبر لا يزال محتملاً وممكناً.

هذا الخفض المحدود المحتمل في اجتماع الخميس المقبل يضمن استمرار المسار نحو مستهدف 2026 ، مع إرسال رسالة للأسواق بأن لجنة السياسة النقدية تراقب بيانات التضخم لشهر نوفمبر قبل اتخاذ قرارات أكبر في ديسمبر.

محمد عبد العال

خبير مصرفي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى