محمد عبد العال يكتب : التوازن بين السياسات النقدية يُعزز عدم تعديل أسعار الفائدة في أكتوبر
عن طريق تفعيل أدوات السياسة النقدية يتحكم البنك المركزي في التضخم وتحفيز الاستثمار مما يسهم في تعزيز النشاط الاقتصادي وخلق بيئة إستثمارية مواتية

تلعب السياسة النقدية دورًا رئيسيًا في توجيه الأداء الاقتصادي، حيث تعتبر أحد الأدوات الفعالة لتحقيق الاستقرار المالي والنمو المستدام.
فعن طريق تفعيل أدوات السياسة النقدية ، خاصة تغيرات أسعار الفائدة ، يتحكم البنك المركزي المصري في التضخم وتحفيز الاستثمار، مما يسهم في تعزيز النشاط الاقتصادي وخلق بيئة إستثمارية مواتية ، فهو يتبع سياسة تقييدية متشددة لكبح كباح التضخم ، ثم يعود ليتحول إلى سياسة تيسيرية لتحفيز النمو الاقتصادي ، حينما ينحسر التضخم ويضمن استدامة هبوطة في اتجاه مستهدفاته الموضوعة.
واذا تأملنا مسيرة السياسة النقدية المصرية في السنوات الثلاث الأخيرة لوجدنا أنها تعكس نموذجا للإدارة المتوازنة ، التي تسير وفقا لأهداف ومتطلبات الظروف والأوضاع الاقتصادية المحلية والدولية المعاصرة والمتجددة.
وكانت لجنة السياسة النقدية المنبثقة من مجلس ادارة البنك المركزي المصري قد قامت منذ عام 2022 وحتى نهاية عام 2024 برفع أسعار الفائدة بنحو 1900 نقطة أساس ، ومنذ مطلع عام 2025 وحتى الآن خفضت الفائدة بمجموع 525.5 نقطة أساس ، الأمر الذي يعكس التوجهات المهمة التالية:
التوجه إلى بدء دورة التيسير النقدي إعتباراً من أبريل ومايو 2025 ، مستهدفاً تعزيز النمو الاقتصادي وتحفيز الاستثمار والإنتاج والتشغيل ، أي أن اللجنة قد راعت التوازن بين دعم النمو واحتواء التضخم، خاصة مع تراجع الضغوط التضخمية وتحسن الأداء الكلي للسوق.
إن قرار اللجنة يرتكزعلى معطيات موضوعية تعكس توجه الحكومة والبنك المركزي نحو استدامة النمو الاقتصادي وتحقيق استقرار نسب التضخم، مما يعزز من قدرة مصر على تلبية طموحاتها الاقتصادية في المرحلة القادمة.
إن قرار العودة ، بعد فترة تثبيت ، إلى سياسة التيسير النقدي وخفض الفائدة كان مدفوعا بانحسار معدلات التضخم العام والأساسي بشكل ملحوظ ، مما يوفر بيئة مواتية لتخفيف الأعباء على القروض وتكلفة التمويل ، ويعزز ذلك من قدرات الشركات على التوسع، ويزيد من قدرة المستهلكين على الإنفاق، وبالتالي يسهم في دفع الناتج المحلي الإجمالي نحو معدلات نمو أعلى.
تأثير انخفاض الفائدة على الدولار يضيف عنصرًا إيجابيًا، حيث يقلل من ضغوط سعر الصرف ويعمل على استقرار سوق النقد ، وهو أمر يكون في صالح خفض فاتورة الاستيراد ، أي انخفاض تكاليف السلع ومستلزمات الإنتاج المستوردة ، وبالتالى التحسن المستقبلي في أسعار السلع المصرية في الأسواق المحلية والخارجية .
تتأثر قرارات تخفيض الفائدة بالتغيرات السياسية والاقتصادية العالمية، خاصةً تلك المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية الإقليمية والحروب التجارية وتداعيات الرسوم الجمركية الأمريكية.
كما تلعب تغيرات الفائدة على الدولار الأمريكي دوراً محورياً في استقرار سوق الصرف ، وقدرة مصر على استقطاب الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة في أوراق الدين العام المصرية “الأموال الساخنة”.
في ضوء ماسبق ومع تحسن المؤشرات الاقتصادية والنقدية والمالية واستمرار تراجع معدلات التضخم التضخم يُتوقع أن تتجه لجنة السياسة النقدية في اجتماع أكتوبر المقبل نحو تثبيت أسعار الفائدة، مع تأجيل دورة التيسير النقدي إلى الاجتماع القادم.
ويعود ذلك إلى عدة عوامل أساسية تتعلق بمستوى السيولة النقدية في السوق، والتي تعتبر من أهم محددات قرار السياسة النقدية ، حيث أظهرت البيانات الأخيرة استقرارًا في حجم النقد المتداول ، مع استمرار تراجع معدلات التضخم العام نتيجة لانخفاض معدلات التضخم العام والأساس والضمني بالتبعية ، إلى جانب استقرار سعر صرف الجنيه أمام الدولار، مما ساعد في تخفيف الضغوط التضخمية وتقديم بيئة مستقرة للسوق النقدية.
إضافة إلى ذلك فإن اتساع الفجوة بين العائد الحقيقي على الأدوات المحلية والأجنبية، وتراجع توقعات التضخم المستقبلية، عززا من الرؤية بعدم الحاجة إلى تعديل أسعار الفائدة في الوقت الراهن.
ورغم ذلك يبقى هناك قلق من احتمالية نشوء ضغوط تضخمية جديدة، خاصة في ظل استمرار ارتفاع أسعار الوقود، رغم تأجيل الحكومة لزيادة أسعار الكهرباء، حيث أعلنت عزمها رفع أسعار الوقود في أول أكتوبر المقبل ، باستثناء الديزل ، مما قد يؤدي إلى بعض الضغوط التضخمية على المدى القصير.
بصفة عامة ، تشير البيانات إلى توازن مناسب ما بين معدلات السيولة والسياسات الاحترازية، وهو ما يدعم الاتجاه نحو الحفاظ على أسعار الفائدة الحالية.
ومن المتوقع أن تظل لجنة السياسة النقدية حذرة ، مراقبة للتطورات العالمية والمحلية قبل اتخاذ قرار بالتخفيف من تدريجيته ، خاصة أن تريثها يعكس رغبتها في الحفاظ على استقرار الأسعار للمستهلك النهائي ، وتحقيق التوازن بين التحفيز الاقتصادي والسيطرة على التضخم، مع الاستمرار في مراقبة أية مؤشرات قد تتطلب إعادة تعديل السياسة النقدية في المستقبل القريب.
محمد عبد العال
خبير مصرفي





