محمد عبد العال يكتب عن .. “التضخم الضمني” مفهومه واستخداماته؟
فهمه يُعزز من قدرة الاقتصاديين وصناع السياسات على التنبؤ بكيفية تطور التضخم

كانت لجنة السياسة النقدية المنبثقة عن مجلس إدارة البنك المركزي قد أشارت فى بيانها بتاريخ 22 مايو 2025 ، في سياق شرحها لأسباب خفض أسعار الفائدة ، إلى العبارة التالية .. بداية الاقتباس”استمر التضخم الضمني في اتخاذ مسار نزولي من بداية العام ليتقارب تدريجيا نحو مستواه المتسق مع مستهدف البنك المركزي للربع الرابع من عام 2026 “.
كما جاء في ذات البيان “ويشير تباطؤ التضخم العام والأساسي، بالإضافة إلى تراجع التضخم الضمني إلى تحسن توقعات التضخم ، وعليه من المتوقع أن يواصل المعدل السنوي للتضخم العام تراجعه خلال الفترة المتبقية من عام 2025 وعام 2026” ،، انتهى الاقتباس ،،.
ونلاحظ في سياق العبارتين السابقتين ظهور الإشارة إلى مفهوم أو ظاهرة “التضخم الضمني” ، وهو ما يعني أن هناك مؤشرًا آخر يتضافر مع كُلٍ من التضخم العام والأساسي ، هو “التضخم الضمني” يتيح لنا دلالات على اتجاهات مُعدل التضخم ، ويمكن أن يكون مُؤثراً مهماً في قرارات لجنة السياسة النقدية فيما يتعلق بتغيرات أسعار الفائدة.
فما هو مفهوم التضخم الضمني؟ ، وما هو الفرق بينه وبين أنواع التضخم العام والتضخم الأساسي؟ وما هي أهميته واستخداماته كمؤشر لاتجاهات معدل التضخم المستقبلية؟.
وقبل أن نتطرق إلى إيضاح تلك الأسئلة دعنا نتذكر بإيجاز شديد مفهوم التضخم العام والتضخم الأساسي، وصولا إلى موضوعنا وهو التضخم الضمني.
ويُعتبر التضخم العام أحد أهم مظاهر التضخم التي يتم قياسها ومراقبتها ، وهو يعبر عن الارتفاع المستمر في مستوى أسعار السلع والخدمات العامة في اقتصاد معين خلال فترة زمنية محددة وسابقة.
ويُقاس التضخم العام عادة من خلال مؤشر أسعار المستهلكين الذي يأخذ في الاعتبار سلة من السلع والخدمات التي يستخدمها الأفراد في حياتهم اليومية ، ويعكس بشكل رئيسي تغيرات الأسعار التي تؤثر على مستوى المعيشة ، ويصدر عن الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء.
أما التضخم الأساسي فيُعبر عن معدل التضخم العام ولكن بعد استبعاد تأثير السلع شديدة التقلب أو التي تُحدد بقرارات إدارية ، والتي يمكن أن تؤثر على الأسعار بشكل قصير الأمد ، ويصدر عن البنك المركزي المصري.
أما التضخم الضمني فيُعبر عن قراءة السوق لتوقعات التضخم في المستقبل ، أكرر .. في المستقبل .. وليست القراءة الفعلية اليوم ، ويتم قياسه إعتماداً على تحليل المؤشرات الاقتصادية والإحصائية التي تعكس توقعات الأفراد والمؤسسات بشأن التغيرات المستقبلية في الأسعار.
ومن بين أبرز الطرق المستخدمة في قياسه هو تقييم الانحرافات بين معدلات الفائدة الإسمية والحقيقية، حيث يُفترض أن الفرق يعكس توقعات التضخم المستقبلية ، بالإضافة إلى ذلك يتم الاعتماد على مقاييس أخرى مثل فوارق العائدات على السندات ذات الآجال المختلفة والمربوطة بمحركات التضخم المتوقع، حيث تبرز الفروق كمؤشرات على توقعات السوق.
وفي بعض الدول التي يتوفر بها أدوات مالية محلية مرتبطة بالتضخم يمكن حساب الفرق بين العائد بين سند حكومي إسمي طويل الأجل وسند آخر مرتبط بالتضخم لنفس الأجل ، والفرق بينهما يعكس توقعات الأسواق المستقبلية لمعدل التضخم الضمني ، ولكنه لا يُمثل تأكيداً بأن التضخم سيصل لمستوى التوقع فعلاً.
ويُستخدم التضخم الضمني في تقدير التوقعات المستقبلية لاتجاهات التضخم، إذ يوفر مؤشراً غير مباشر يعكس توقعات المستثمرين والشركات حول التضخم المستقبلي دون أن يتأثر بشكل مباشر بالتغيرات السريعة في الأسعار اليومية أو الموسمية.
بالإضافة إلى ذلك، يُعتبر قياس التضخم الضمني أداة مهمة لصناع السياسات الاقتصادية، خاصة في إطار مراقبة ومراجعة السياسات النقدية لدى البنوك المركزية من ناحية استجابتها لتوقعات التضخم ، ورغم أن هذا المفهوم يوفر رؤى دقيقة حول الاتجاهات المستقبلية لمعدل التضخم إلا أنه يواجه تحديات تتعلق بصعوبة القياس والتطبيق الواقعي.
ويلعب تحليل البيانات التاريخية دوراً محورياً في فهم سلوك التضخم الضمني وتوقع مستقبله، حيث يعتمد على دراسة نماذج وبيانات زمنية تعود لمراحل مختلفة من الاقتصاد ، ويبدأ ذلك بجمع البيانات الاقتصادية التاريخية، مثل معدلات التضخم، أسعار الفائدة، والبيانات التجارية، ثم تصفيتها وتحليلها باستخدام أساليب إحصائية متنوعة.
ويساعد هذا التحليل في التعرف على أنماط التضخم الضمني، ومدى استجابته للتغيرات الاقتصادية المختلفة، مثل السياسة النقدية، والسياسات المالية، والظروف الاقتصادية العالمية.
ويعد التضخم الضمني مؤشرًا غير مباشر يتأثر بعدة عوامل من بينها التوقعات السوقية، والتغيرات الهيكلية في الاقتصاد، مما يتطلب تفسيراً دقيقاً ودراسة مستمرة لضمان الاستفادة المُثلى منه في إصدار التوقعات الاقتصادية واتخاذ القرارات النقدية الملائمة.
بالتالي فإن فهم مفهوم التضخم الضمنىً يُعزز من قدرة الاقتصاديين وصناع السياسات على التنبؤ بكيفية تطور التضخم ، وبالتالي تصميم أدوات سياسات فعالة لتحقيق استقرار الأسعار والنمو الاقتصادي المستدام.
محمد عبد العال
خبير مصرفي





