محمد عبد العال يكتب عن .. حالة “عدم اليقين” ومخاطرها الاقتصادية 

تمثل تحديًا كبيرًا لكن من المهم مراقبة التطورات بشكل مستمر وتحليل تأثيراتها على المدى القصير والمتوسط

يُوفر علم ادارة المخاطر وسائل وأدوات وتكنولوجيا تساعد في تحديد وإدارة كل أنواع المخاطر الاقتصادية والمالية التقليديةً المعروفة والمحسوبة والمتوقع حدوثها ، مثل المخاطر الإئتمانية ، ومخاطر السوق ، ومخاطر العمليات ، وهناك مخاطر التغيرات المناخية ، والنزاعات السياسة و العسكرية ، والجوائح والكوارث العالمية ، وهناك أنواع أخرى أحدث مثل مخاطر الأمن السيبرانى ، والمخاطر التكنولوجية ومخاطر الـ” AI ” ومخاطر عدم الإلتزام بقواعد الحوكمة بمفهومها الشامل الحديث.

ولكن في عالمنا الراهن ، حيث تتشابك الأحداث ، وتتسارع التغيرات ، وتتعارض المصالح ، بوتيرة لم يسبق لها مثيل، الأمر الذي مهد لأن يطغى على المشهد العالمي ، نوع جديد من المخاطر ، فرض نفسة على مصائر العالم ، ومواقف المسئولين وقلصت من قدرتهم على اتخاذ قرارتهم وفقاً للأصول ، المتبعة في ظروف العمل العادية ، هذه الحالة المقلقة حملت في طياتها تحديات جسام ، تعصف بالاستقرار الاقتصادي والمالي والنقدي في جميع أنحاء العالم.

ويمكن أن نطلق على تلك الظاهرة مخاطر حالة عدم اليقين ، حيث أن مخاطر التذبذب بين ما نعجز عن التنبؤ به من مخاطر “عدم اليقين ” أصبح يتضاعف يوماً بعد يوم، بوتيرة سريعة ، متسبباً في تأثيرات عميقة ، وتحولات قد تكون بعيدة المدى.

وأحدث و أوقع تشبيه أو وصف لفترة ” عدم اليقين ” هى تلك الفترة التى تلازمت مع تولى الرئيس الامريكى دونالد ترامب ، وصدور قراراته المتعلقة بالرسوم الجمركية الأمريكية الجديدة ، وشاهدنا كيف أن إدارة الرئيس لتلك القرارات منذ الإعلأن عنها وحتى كتابة تلك السطور ، تسببت في تولد بيئة حاضنة لنموذج واقعى لحالة عدم اليقينى حالة يعيش ويتعايش العالم كله معا ، منذ ولايته وحتى الأن ، يتفاعل مع تطوراتها وتداعياتها وردود افعالها المتعارضة أحياناً ، وغير المنطقية في أحيان أخرى ، حالة غير مستقرة تتسم بقلق وعدم يقين بشأن التوقعات المستقبلية للأحداث.

وعلى سبيل المثال فإن وقف أو تأجيل المفاوضات التجارية بين أمريكا والصين يمكن أن يؤدي إلى حالة من الأنتظار لننائج المفاوضات المستقبلية، أو قد تتجه الأطراف إلى استراتيجيات فردية حمائية أكثر تحفظًا. وهو ما يؤدى زيادة حالة عدم اليقين و إلى تقلبات حادة في الأسواق المالية، حيث يسعى المستثمرون إلى تقليل المخاطر عبر بيع الأصول أو تحويلها إلى أصول أكثر أمانًا (مثل الذهب أو سندات الحكومة) ، و انخفاض ثقة المستثمرين وإحجامهم عن اتخاذ قرارات استثمارية كبيرة، مما يبطئ النمو الاقتصادي.

كما ان استمرار حالة عدم اليقين قد يؤخر الاستثمارات الجديدة، ويؤثر سلبًا على سلاسل التوريد، والنمو الاقتصادي بشكل عام ، و قد يؤدي أيضًا إلى تراجع في التدفقات الاستثمارية الأجنبية، خاصة في الدول التي تعتمد على التجارة والاستثمار الخارجي.

وبصفة عامة يمكن تعريف حالة عدم اليقين بأنها حالة من عدم الاستقرار الاقتصادي والسياسي لأسباب متعددة ، وتمتد وتشمل مخاطرها الاقتصادية ، تقلبات الأسواق ، انخفاض الاستثمارات، و تباطؤ النمو الاقتصادي.

ومن هنا، يصبح من الضروري فهم خطورة هذه الحالة المزدوجة ، فإلى جانب مخاطر اليقين التقليدية حيث تتعامل الدول والمؤسسات مع أحداث مؤكدة تتحسب لها بسيناريوهات مناسبة لمواجهتها ، ولكن في حالة “عدم اليقين ” تَبرز مخاطر من نوع جديد لا يمكن تحديد المسار المناسب للتعامل معها كونها أحداث غير متوقعة.

هذه التحديات تضغط على صناع القرار وتضع النظم الاقتصادية أمام إختبارات صعبة تتطلب استراتيجيات مرنة وقدرة على الاستجابة السريعة.

عدم اليقين هي حالة تتميز بغياب الثقة أو الوضوح حول المستقبل، حيث يصعب على الأفراد، الشركات، أو الحكومات تحديد نتائج الأحداث أو اتخاذ قرارات إستثمارية أو إقتصادية بشكل مؤكد. يُعزى ذلك إلى نقص المعلومات الكافية، أو تعقيد الأحداث، أو التغيرات المفاجئة التي تخلق ظروف غير متوقعة.

إن مخاطر حالة عدم اليقين تتركز في غياب القدرة على التنبؤ بدقة بالنتائج ، وزيادة التردد في اتخاذ القرارات ، وارتفاع المخاطر والشكوك ، وتتسبب في احداث تأثير سلبي على الاستثمار والنمو الاقتصادي وعدم استقرار الأسواق .

كما أن زيادة عدم اليقين قد تؤدي إلى تقلبات في سعر الصرف، وضغوط على السيولة الدولارية، مما ينعكس على السياسات النقدية وأسعار الفائدة.

حالة عدم اليقين ليست جديدة، وقد لعبت دورًا محوريًا في تشكيل مسار الأحداث الاقتصادية والسياسية عبر التاريخ ، وفهم هذه الحالات يساعد على التوقع بشكل أفضل، واتخاذ قرارات أكثر استنارة في مواجهة التغيرات غير المتوقعة

فعلا مخاطر حالة عدم اليقين العالمية تمثل تحديًا كبيرًا، لكن من المهم مراقبة التطورات بشكل مستمر وتحليل تأثيراتها على المدى القصير والمتوسط ، خاصة للدول النامية التي تكون أكثر حساسية لهذه التغيرات.

من المتوقع أن يؤدي أي تحسن في الحالة التجارية أو السياسية إلى استقرار نسبي، لكن استمرار التوترات قد يطيل أمد عدم اليقين ويزيد من التحديات الاقتصادية.

محمد عبد العال

خبير مصرفي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى