محمد عبد العال يكتب : ماذا يقول الاحتياطي النقدي بعد تجاوزه الـ 55 مليار دولار؟
الزيادة جاءت تقريباً بالكامل من مكون العملات الأجنبية وليس من إعادة تقييم الذهب أو الأصول الأخرى
يتكون احتياطي النقد الأجنبي لمصر من سلة من العملات الدولية الرئيسية، تشمل الدولار الأمريكي، اليورو، الجنيه الإسترليني، الين الياباني، واليوان الصيني ، ويتم توزيع مكوناته وفقًا لأسعار صرف تلك العملات ومدى استقرارها في الأسواق العالمية، وبما يتماشى مع سياسة البنك المركزي في إدارة الاحتياطي النقدي.
وفقاً لأحدث بيانات البنك المركزي المصري، ارتفع صافي الاحتياطيات الدولية إلى 55.07 مليار دولار بنهاية يونيو 2026، مقارنة بـ53.134 مليار دولار بنهاية مايو، بزيادة بلغت نحو 1.936 مليار دولار.
الرقم في حد ذاته مهم، لكن الأهم هو تركيب هذا الرقم ، فارتفاع الاحتياطي هذه المرة لم يأت نتيجة ارتفاع أسعار الذهب أو تقييمات محاسبية، بل جاء أساساً من زيادة واضحة في مكون العملات الأجنبية ، وهذا يعكس تحسناً في تدفقات النقد الأجنبي إلى الاقتصاد المصري.
مكون العملات الأجنبية ارتفع بنحو 3.934 مليار دولار، بينما انخفضت قيمة الذهب بنحو 1.992 مليار دولار، وانخفضت حقوق السحب الخاصة انخفاضاً طفيفاً ، وهذا يعني أن الزيادة جاءت تقريباً بالكامل من مكون العملات الأجنبية وليس من إعادة تقييم الذهب أو الأصول الأخرى.
السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه في مانشيت المقال: لماذا ارتفع مكون العملات الأجنبية بهذه القوة خلال شهر واحد؟ تحتاج الإجابة إلى التفريق بين عاملين:
أولاً: هل هي زيادة كمية Cash Inflows؟
في تقديري نعم، وهذا هو العامل الرئيسي.
هناك عدة مصادر تدعم ذلك وهي:
استمرار الطفرة في تحويلات المصريين بالخارج، وهي حالياً أصبحت أحد أكبر مصادر النقد الأجنبي ، البنك المركزي أعلن استمرار نمو التحويلات بأكثر من 32% لتصل إلى حوالي 34.9 مليار دولار خلال أول 9 أشهر من العام المالي، وهو ما يدعم بصورة مباشرة الاحتياطيات والسيولة الدولارية.
عودة تدريجية للأموال الأجنبية في أدوات الدين ، هذه النقطة شديدة الأهمية، فخلال يونيو حدث تغير واضح في معنويات المستثمرين مع تراجع حدة التوترات الجيوسياسية وتحسن الجنيه واستقرار سوق الصرف، وأيضاً مع استمرار أسعار الفائدة الحقيقية المرتفعة ، كل ذلك شجع على عودة جزء من استثمارات المحافظ الأجنبية في أوراق الدين العام المصرية ، ومن المعروف أن تلك الأموال لا تدرج في الاحتياطي النقدي، لكنها ترفع المعروض من الدولار داخل الجهاز المصرفي وتقلل من الضغوط على ما هو متاح في الانتربنك.
تحسن إيرادات السياحة حيث بدأت المؤشرات تتحسن مع هدوء الأوضاع الإقليمية، وهذا يعني زيادة المعروض من العملات الأجنبية.
تحسن إيرادات قناة السويس ، صحيح لم تعد حتى الآن إلى مستوياتها الطبيعية، ولكن هناك تحسن نسبي مقارنة بالأشهر السابقة مع انخفاض بعض المخاطر الجيوسياسية.
استمرار تحسن صافي الأصول الأجنبية للجهاز المصرفي ، كلما ارتفع فائض صافي الأصول الأجنبية، أصبح لدى البنك المركزي مساحة أكبر لزيادة الاحتياطيات دون الضغط على سوق الصرف.
ثانياً: هل يمكن أن يكون السبب مجرد إعادة تقييم للعملات؟
الإجابة: نعم، ويكمن السبب الرئيسي في أن الاحتياطي لا يتكون من الدولار فقط، بل يتكون من سلة من العملات ويتم تقييمها جميعاً بالدولار الأمريكي كل شهر ، لذلك، إذا ارتفع اليورو أو ارتفع الإسترليني أمام الدولار، فإن قيمة الاحتياطي بالدولار ترتفع حتى لو لم يدخل دولار واحد جديد.
هل هذا يفسر زيادة 3.9 مليار دولار؟
في رأيي، لا .. لأن تحركات العملات الرئيسية خلال يونيو لم تكن بالحجم الذي يفسر وحدها زيادة تقارب أربعة مليارات دولار في مكون العملات الأجنبية ، إذن، إعادة التقييم ربما ساهمت، لكن الأغلب أن الجزء الأكبر ناتج عن تدفقات فعلية للنقد الأجنبي.
ولكن لماذا انخفض الذهب إذن في مكون الاحتياطي؟
الذهب لم ينخفض لأن البنك المركزي باع ذهباً، بل الأغلب أنه نتيجة انخفاض السعر العالمي للذهب خلال نهاية يونيو مقارنة بمستويات الذروة التي سجلها أثناء التوترات الجيوسياسية ، ولأن الذهب يُقيّم شهرياً بالسعر العالمي، فقد انخفضت قيمته داخل الاحتياطي بنحو ملياري دولار تقريباً رغم احتمال ثبات الكميات المملوكة ، وهذه قراءة تتسق مع طبيعة عرض الاحتياطيات لدى البنوك المركزية.
هذه الزيادة تقول إن البنك المركزي لم يعد يعتمد على مصدر واحد للنقد الأجنبي، بل أصبحت هناك قنوات متعددة لمصادر النقد الأجنبي، وهذا يعطي الاقتصاد طبقة حماية إضافية ضد أي صدمات خارجية مستقبلية ، أما أثر إعادة تقييم العملات داخل سلة الاحتياطي فقد يكون ساهم بجزء محدود، لكنه لا يفسر وحده هذه القفزة.
بقي أن نسأل في النهاية : لماذا ارتفعت العملات الأجنبية داخل الاحتياطي بنحو 4 مليارات دولار بينما ارتفع صافي الاحتياطي نفسه بنحو ملياري دولار؟
الزيادة في مكون العملات الأجنبية 3.934 مليار دولار كانت أكبر بكثير من الزيادة الصافية في الاحتياطي 1.936 مليار دولار لأن انخفاض القيمة الدولارية للذهب امتص جزءاً كبيراً من هذه الزيادة.
محمد عبد العال
خبير مصرفي






