دكتورة شيماء وجيه تكتب : الاستثمار الأجنبي في أذون الخزانة بين قوة الثقة وتحديات الاستدامة
باعتباره مرآة مباشرة لمستوى الثقة في السياسة النقدية واستقرار سوق الصرف وقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها

لا تقاس جاذبية الاقتصاد فقط بحجم الاستثمارات الأجنبية التي يستقطبها، وإنما بنوعية هذه التدفقات ومدى قدرتها على دعم الاستقرار المالي دون خلق مخاطر مستقبلية.
وفي هذا الإطار، تظل استثمارات الأجانب في أذون الخزانة أحد أهم المؤشرات التي تعكس رؤية المستثمر الدولي تجاه الاقتصاد المصري، باعتبارها مرآة مباشرة لمستوى الثقة في السياسة النقدية، واستقرار سوق الصرف، وقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها.
ورغم التراجع المسجل في استثمارات الأجانب بأذون الخزانة خلال الربع الأول من عام 2026، فإن القراءة الاقتصادية لهذا التطور يجب ألا تقتصر على مقارنة رقمية بين فترتين، وإنما ينبغي أن تنطلق من فهم طبيعة هذه الاستثمارات نفسها، باعتبارها استثمارات قصيرة الأجل شديدة الحساسية تجاه المتغيرات المحلية والعالمية.
فالمستثمر الأجنبي في أدوات الدين لا يتخذ قراره استنادا إلى سعر العائد فقط، وإنما يبني قراره على معادلة أكثر تعقيدًا تشمل استقرار سعر الصرف، وتوقعات التضخم، واتجاهات السياسة النقدية، ومستوى المخاطر السيادية، وحجم السيولة العالمية، فضلاً عن الفرص البديلة في الأسواق الناشئة والمتقدمة.
ومن هذا المنطلق، فإن التراجع المحدود في رصيد استثمارات الأجانب لا يمثل بالضرورة خروجًا من السوق المصرية بقدر ما يعكس إعادة هيكلة طبيعية للمحافظ الاستثمارية في ضوء تغيرات البيئة المالية الدولية، خاصة مع استمرار العديد من البنوك المركزية العالمية في إعادة تقييم سياساتها النقدية، وتحسن العوائد في بعض الأسواق المنافسة.
وفي المقابل، فإن استمرار احتفاظ السوق المصرية برصيد يقترب من تريليوني جنيه من استثمارات الأجانب في أذون الخزانة يؤكد أن مصر ما زالت تحتفظ بجاذبية استثمارية قوية داخل أسواق أدوات الدين، وهو ما يرتبط بعدة عوامل جوهرية، في مقدمتها استقرار سوق النقد الأجنبي، وارتفاع صافي الأصول الأجنبية للجهاز المصرفي، وتحسن الاحتياطيات الدولية، وعودة مرونة سوق الصرف، فضلاً عن استعادة المؤسسات الدولية ثقتها تدريجيًا في الاقتصاد المصري.
الأهم من ذلك أن الزيادة في إجمالي أرصدة أذون الخزانة الحكومية تعكس استمرار قدرة الدولة على إدارة احتياجاتها التمويلية من خلال السوق المحلية بكفاءة، مع الحفاظ على مستويات مرتفعة من الطلب على أدوات الدين، سواء من المستثمرين المحليين أو الأجانب، وهو ما يعزز من استقرار هيكل التمويل الحكومي.
إلا أن القراءة الأكثر عمقا تفرض التمييز بين الاستقرار المالي قصير الأجل والاستدامة الاقتصادية طويلة الأجل. فاستثمارات المحافظ الأجنبية، رغم أهميتها في توفير السيولة وتعزيز الاحتياطيات ودعم سوق الصرف، تظل بطبيعتها تدفقات قابلة للتحرك السريع، وهو ما يجعلها عنصرًا داعمًا للاستقرار، لكنها ليست البديل عن الاستثمار الأجنبي المباشر الذي يخلق طاقات إنتاجية وفرص عمل وقيمة مضافة مستدامة.
ولهذا، فإن نجاح السياسة الاقتصادية لا ينبغي أن يقاس فقط بحجم الأموال الساخنة المتدفقة إلى أدوات الدين، وإنما بقدرتها على تحويل حالة الاستقرار النقدي الحالية إلى استثمارات إنتاجية طويلة الأجل في الصناعة، والتكنولوجيا، والطاقة، والخدمات اللوجستية، بما يعزز النمو الحقيقي ويخفض الاعتماد التدريجي على التمويل قصير الأجل.
كما أن المرحلة المقبلة ستتطلب إدارة دقيقة للتوازن بين الحفاظ على جاذبية العائد الحقيقي للمستثمرين وبين استمرار دورة التيسير النقدي كلما سمحت مؤشرات التضخم بذلك، لأن أي خفض للفائدة يجب أن يتم بما يحافظ على تنافسية أدوات الدين المصرية، دون الإضرار بأهداف النمو والاستثمار.
وفي تقديري، فإن المؤشر الأهم ليس حجم التراجع أو الارتفاع في استثمارات الأجانب خلال ربع واحد، وإنما قدرة الاقتصاد المصري على الاحتفاظ بجاذبيته الاستثمارية رغم التغيرات العالمية، وهو ما يعكس تطورا ملحوظا في متانة الاقتصاد الكلي مقارنة بفترات سابقة كانت فيها هذه التدفقات أكثر تقلبًا.
لقد تجاوز الاقتصاد المصري مرحلة البحث عن تدفقات مالية مؤقتة إلى مرحلة بناء بيئة أكثر استقرارًا وانضباطًا، لكن التحدي الحقيقي خلال المرحلة المقبلة يتمثل في تحويل الثقة المالية إلى ثقة استثمارية إنتاجية، بحيث تصبح استثمارات المحافظ الأجنبية عنصرا مكملا لمنظومة النمو، لا المحرك الرئيسي لها.
دكتورة شيماء وجيه
خبيرة مصرفية






