محمد عبد العال يكتب : الجنيه المصرى يستعيد زمام المبادرة

هل بدأ فصل جديد فى سوق الصرف؟

قبل أسابيع قليلة فقط، كانت معظم التحليلات الاقتصادية تركز على قدرة الجنيه المصرى على الصمود فى مواجهة موجة من الضغوط الخارجية والداخلية، بدأت مع تصاعد التوترات الجيوسياسية فى المنطقة، وارتفاع أسعار النفط، وخروج جزء من استثمارات الأجانب فى أدوات الدين المحلية، وما صاحب ذلك من ضغوط على سوق الصرف وارتفاع مستويات عدم اليقين ، أما اليوم فتبدو الصورة مختلفة إلى حد كبير.

مع بداية تعاملات اليوم، واصل الجنيه المصرى تحسنه أمام الدولار فى عدد من البنوك الرئيسية، فى وقت سجل فيه سعر البنك المركزى مستويات أقل من تلك التى شهدتها السوق خلال ذروة التوترات الإقليمية.

وأعاد هذا طرح سؤال مهم: هل نحن أمام تحسن مؤقت فرضته تطورات قصيرة الأجل؟، أم أن سوق الصرف بدأت بالفعل تدخل مرحلة جديدة تختلف عن تلك التى سادت خلال الأشهر الماضية؟.

التهدئة الجيوسياسية.. المتغير الأكثر تأثيرًا

يصعب فهم ما يحدث فى سوق الصرف حالياً بعيداً عن التطورات الجيوسياسية الأخيرة ، فالتقدم الملحوظ فى مسار التهدئة الإقليمية، والتوقعات بإمكانية التوصل إلى تفاهمات أمريكية إيرانية أكثر استقراراً، وما يرتبط بذلك من تراجع المخاوف بشأن الملاحة الدولية عبر مضيق هرمز، ساهم فى تهدئة واحدة من أهم بؤر القلق التى كانت تضغط على الأسواق العالمية وأسواق المنطقة.

وتكمن أهمية هذا التطور بالنسبة لمصر فى أن استقرار أسواق الطاقة والشحن الدولى ينعكس مباشرة على تكلفة الاستيراد، ومعدلات التضخم، والاحتياجات التمويلية من النقد الأجنبى. وبالتالى، فإن أى تراجع مستدام فى أسعار النفط لا يمثل فقط خبراً إيجابياً للموازنة العامة، بل يعد عاملاً داعماً لسوق الصرف وللاقتصاد الكلى بصورة أوسع.

التضخم يواصل التحسن

فى الوقت نفسه، واصلت بيانات التضخم إرسال إشارات إيجابية للأسواق. انخفاض معدلات التضخم العام والأساسى على المستوى السنوى يعكس استمرار تحسن البيئة السعرية مقارنة بالفترات السابقة، ويعزز من ثقة المستثمرين فى استقرار الاقتصاد الكلى.

ورغم استمرار بعض الضغوط الشهرية المرتبطة بعوامل موسمية أو تعديلات أسعار بعض السلع والخدمات، فإن الاتجاه العام للتضخم لا يزال أكثر استقراراً مما كان عليه قبل عام. وهى نقطة بالغة الأهمية بالنسبة لسوق الصرف، لأن استقرار الأسعار يعد أحد أهم مصادر القوة الحقيقية لأى عملة.

تصفير مستحقات شركات البترول رسالة تتجاوز قيمتها المالية

من التطورات اللافتة خلال الفترة الأخيرة نجاح الدولة فى سداد كامل مستحقات شركات البترول الأجنبية ، ورغم أهمية الخطوة فى حد ذاتها، فإن أهميتها الحقيقية ربما تكمن فى الرسالة التى تحملها للمستثمرين ومؤسسات التمويل الدولية.

الوفاء بهذه الالتزامات يعزز الثقة فى قدرة الاقتصاد المصرى على إدارة التزاماته الخارجية، ويدعم جاذبية قطاع الطاقة أمام استثمارات جديدة، كما يساهم فى تحسين الصورة الذهنية للاقتصاد المصرى لدى المستثمرين الأجانب.

عودة التدفقات الأجنبية

شهدت الأسابيع الأخيرة أيضاً عودة تدريجية لبعض الاستثمارات الأجنبية إلى سوق أدوات الدين الحكومية ، صحيح أن هذه التدفقات تظل بطبيعتها أكثر حساسية للتقلبات العالمية، إلا أن عودتها فى هذا التوقيت تعكس تحسن تقييم المستثمرين للمخاطر المرتبطة بالسوق المصرية مقارنة بما كانت عليه خلال فترات التوتر السابقة.

استمرار استقرار السياسة النقدية المصرية منح المستثمرين قدراً إضافياً من الوضوح بشأن اتجاهات العائد الحقيقى ومستقبل أسعار الفائدة.

العامل الخارجى الذى لا يزال تحت المراقبة

ورغم كل هذه المؤشرات الإيجابية، فإن المشهد لا يخلو من تحديات. الدولار الأمريكى أظهر خلال الفترة الأخيرة قدراً من القوة فى الأسواق العالمية، كما أن احتمالات تأخر خفض الفائدة الأمريكية أو ارتفاع العائد على الأصول الدولارية تظل عاملاً يستحق المتابعة.

فى عالم يتحرك وفق معادلة العائد والمخاطر، تظل الأسواق الناشئة، بما فيها مصر، عرضة لتأثيرات أى تغير جوهرى فى اتجاهات السيولة العالمية. إلا أن الفارق الجوهرى مقارنة بالفترات السابقة يتمثل فى أن الاقتصاد المصرى يدخل هذه المرحلة من موقع أكثر قوة نسبياً، مدعوماً بتحسن المؤشرات النقدية والخارجية واستقرار أكبر فى سوق الصرف.

هل يعود الجنيه إلى مستويات ما قبل 28 فبراير؟

يظل هذا السؤال من أكثر الأسئلة تداولاً فى الأوساط الاقتصادية والاستثمارية. ومن الناحية النظرية، فإن عودة الجنيه إلى مستويات ما قبل موجة التوترات التى شهدتها الأسواق فى نهاية فبراير ليست أمراً مستحيلاً إذا استمرت العوامل الإيجابية الحالية فى التراكم، وفى مقدمتها استقرار الأوضاع الجيوسياسية، وتراجع أسعار الطاقة، وتحسن إيرادات النقد الأجنبى من مصادرها المختلفة، واستمرار تدفق الاستثمارات الأجنبية.

غير أن القراءة الأكثر تحفظاً تشير إلى أن السوق لا تزال فى مرحلة إعادة بناء التوازن، وأن السيناريو الأكثر ترجيحاً خلال الفترة المقبلة يتمثل فى استمرار التحركات داخل نطاقات مستقرة نسبياً، مع ميل تدريجى لصالح الجنيه إذا استمرت المتغيرات الإيجابية الحالية.

أما العودة السريعة إلى مستويات أقل بكثير من المستويات الحالية فتظل مرتبطة بتحقق مجموعة واسعة من العوامل الإيجابية فى وقت واحد، وهو ما يجعلها احتمالاً قائماً، لكنه ليس السيناريو الأساسى الذى تبنى عليه الأسواق توقعاتها حالياً.

أين تتجه السوق حتى نهاية العام؟

فى ضوء المعطيات الحالية، يبدو أن السيناريو الأقرب يتمثل فى استمرار حالة الاستقرار النسبى فى سوق الصرف خلال النصف الثانى من العام، مع بقاء اتجاه الجنيه مرتبطاً بدرجة كبيرة بمسار التطورات الجيوسياسية وأسعار النفط وحركة رؤوس الأموال العالمية.

إذا استمرت التهدئة الإقليمية، وتراجعت الضغوط على أسواق الطاقة، وتواصل تحسن المؤشرات الاقتصادية المحلية، فقد يجد الجنيه مساحة إضافية للتحسن التدريجى. أما إذا عادت التوترات الجيوسياسية أو ارتفعت العوائد على الدولار بصورة كبيرة، فقد يؤدى ذلك إلى الحد من وتيرة هذا التحسن أو تأجيله.

الخلاصة أن ما يشهده سوق الصرف المصرى حالياً لا يرتبط بعامل واحد أو حدث منفرد، بل يعكس تلاقى مجموعة من التطورات الإيجابية التى بدأت تعمل فى اتجاه واحد، بدءاً من تحسن البيئة الخارجية، مروراً بانخفاض التضخم وتعزيز الثقة فى الاقتصاد، وصولاً إلى تحسن التدفقات الأجنبية وتطورات قطاع الطاقة.

ولهذا فإن السؤال الذى كان مطروحاً قبل أسابيع قليلة: “هل يستطيع الجنيه الصمود؟” بدأ يتراجع تدريجياً ليحل محله سؤال جديد أكثر أهمية ، وهو هل انتقلت معادلة سوق الصرف فى مصر بالفعل من الدفاع إلى الهجوم؟.

محمد عبد العال

خبير مصرفي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى