محمد عبد العال يكتب : لماذا خصصت الدولة أرضا لوزارة المالية؟! 

قرار إستراتيجي مهم وله آثار إيجابية عميقة

أصدر الرئيس عبدالفتاح السيسي القرار رقم 303 لسنة 2028 بتخصيص قطعة أرض بمساحة 41515.55 فدان تقريبًا تعادل 174399900 م2 من المساحات المملوكة للدولة ملكية خاصة ناحية محافظة البحر الأحمر لصالح وزارة المالية ، لاستخدامها في خفض الدين العام للدولة وإصدار الصكوك السيادية وفقا للقوانين والقواعد المعمول بها في هذا الشأن.

والقرار شارح لنفسه بجلاء وشفافية ويتضح منه الحقائق التالية:

أولا : أن الأرض مملوكة للدولة ، وتم تخصيصها وليس بيعها لوزارة المالية ، ويعنى ذلك ان وزارة المالية لا يجوز لها بيع تلك الأرض حالياً ، أو مستقبلاً ، لاى جهة محلية أو خارجية .

ثانياً : أن الغرض الأساسى من عملية التخصيص هو إستخدام تلك الأرض في خفض الدين العام للدولة

وإصدار الصكوك السيادية وفقاً للقوانين والقواعد المعمول بها في هذا الشأن .

ولكن ما هي قصة الصكوك السيادية الجديدة المزمع إصدارها قبل نهاية هذا العام وما علاقتها بتخصيص الأرض؟

إن الأمر ببساطة يستهدف إتاحة أرض مميزة يمكن لوزارة المالية استخدام عوائد استثمارها ، في استثمارات مباشرة ، أو إستثمارات مشتقة، عبر إصدار سندات سيادية ، تقوم باستخدام صافي عائداتها ، في خفض عجز الموازنة والدين العام .

فالصكوك السيادية هي أحد أنوآع الأوراق المالية التي تُستخدم في تمويل الاحتياجات المالية للمشروعات الاستثمارية القومية ، و التنمية الاقتصادية والاجتماعية ، وايضاً هي احد مصادر تمويل عجز الموازنة العامة للدولة ، مثلها مثل السندات وأذون الخزانة ، ولكنها تختلف عنهما في 3 اختلافات جوهرية :

أولها : تختلف عن السندات التقليدية بأنها لا تعتبر ديونًا على الدولة، وإنما تمثل ملكية شائعة جزئية في أصول أو مشاريع معينة ، الصكوك السيادية تضمنها أصول حقيقية ، الأرض وما سوف يشتق عليه من استثمارات ومشروعات ، بينما السندات تمثل ديونًا على الدولة، مع دفع فوائد ثابتة أو متغيرة عليها .

ثانيها : الصكوك السيادية تخضع للمضاربة وتتعرض للخسارة والربح ، على عكس السندات التى تتحدد قيمة عائدها الثابت مسبقاً و يتم صرفه دوريا ، أو في نهاية أجل الورقة المالية مضافا اليه قيمة السند الإسمية دون زيادة أو نقصان .

ثالثها : الصكوك السيادية تتوافق مع تطبيقات المعاملات وفقاً لمبادئ الشريعة ، حيث يمكن ان تصدر في شكل صكوك مضاربة ، او صكوك مرابحة ، او صكوك مشاركة ، او صكوك اجارة.

وقد شهد سوق الصكوك الإسلامية عالمياً نمواً مستدامًا خلال العامين الأخيرين ، مع تجاوز القيمة الإجمالية للأصول الإسلامية إلى ما يفوق الـ 2 تريليون دولار، مسجلة معدل نمو سنوي مركب يقارب 16% ، مع إصدار سنوي يتجاوز 200 مليار دولار.

وتتمثل أبرز الدول المصدرة لتلك الصكوك في ماليزيا حوالي 55% من السوق، السعودية 20%، الإمارات 10%، إندونيسيا 5-7%. مع دخول دول أخرى إلى سوق الصكوك مؤخرا مثل تركيا ومصر ، وتتركز اهم أنواع الصكوك الأكثر انتشارا في الإجارة، المشاركة، والمضاربة.

وكانت مصر قد أصدرت بنجاح أول صكوك سيادية في تاريخها في فبراير 2023 ، وكانت قيمة هذا الإصدار 1.5 مليار دولار ، وشهد هذا الطرح إقبالًا كبيرًا، حيث بلغت قيمة الاكتتاب فيه حوالي 6.1 مليار دولار، أي بتغطية تجاوزت أربع مرات قيمة الطرح.وتم تسجيله في بورصة لندن .

ومن هنا نجد أن فلسفة تخصيص الأرض لوزارة المالية ومن ثم منحها القدرة على إصدار الصكوك السيادية الاسلامية تستهدف تحقيق مجموعة أهداف ومصالح استراتيجية ومتكاملة منها :

– إتاحة المجال لوزارة المالية في إستخدام حصيلة الصكوك السيادية في تمويل المشروعات الاستثمارية والاقتصادية القومية الجديدة ، أو إعادة هيكلة بعض المشروعات القائمة .

 

– خفض عبئ تكلفة وخدمة الدين العام ، وزيادة اجل محفظة الدين ، تماشياً مع استراتيجية الدولة في ضرورة خفض معدل نمو الدين العام .

– خلق سوق جديدة لتداول الصكوك السيادية ، بما يتناسب مع نمو سوق المال المصرى ، وأهمية أن تتوفر منصات مصرية لتداول مثل تلك الصكوك تلبية لطلبات المستثمرين المحليين والاجانب وتمشيا مع رواج هذا السوق إقليميا وعالميا.

 

– التوافق مع التوجهات الاقتصادية العالمية ، خاصة مع توجه بعض الدول لخفض أسعار الفائدة، مما قد يقلل من تكلفة التمويل من خلال أدوات مثل الصكوك ومقابلة الطلب على أدوات التمويل الإسلامي، الذي يتزايد خاصة في الدول ذات الاقتصاد الإسلامي القوي.

– تحفيز الطلب على الإصدارات الحكومية من الاوراق المالية وادوات الدين العام ، بالجنيه المصرى أو بالنقد الاجنبى ، بالاضافة إلى تلبية الطلب على صكوك التمويل المستدام، مع تزايد استخدام أدوات التمويل الأخضر، وتوجهات الاهتمام المتزايد بالمشاريع المستدامة والصديقة للبيئة ، و إمكانية إصدار صكوك للمشاريع الرقمية ، وتنمية الوعى لبناء بنية أساسية وسوق لإصدار وتداول الصكوك السيادية في مصر ، والترويج للأنشطة المرتبطة ، كانشطة التوريق ، و وإدارة إصدارات الصكوك السيادية ، وإتاحة تداول الصكوك السيادية في البورصة المحلية ، والعالمية ، والمساعدة في بناء سوق ثانوى للصكوك السيادية .

حقاً إن قرار الدولة بتخصيص تلك الأرض لوزارة المالية هو قرار استراتيجى مهم ، وله آثار ايجابية عميقة ، ويمثل خطوة استباقية إيجابية في أن تكون الصكوك السيادية المصرية خيارًا جذابًا للمستثمرين، خاصة في ظل تراجع أسعار الفائدة، لأنها توفر عوائد تعتمد على أصول حقيقية، وتكون غالبًا مرتبطة بمشاريع إنتاجية أو أصول ملموسة ذات عوائد حقيقية جيدة.

محمد عبد العال

خبير مصرفي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى